رؤيا الملك وخروج يوسف عليه السلام من السجن وظهور براءته

رؤيا الملك وخروج يوسف عليه السلام من السجن وظهور براءته

يقول الله تبارك وتعالى: {وقالَ الملكُ إني أرى سبعَ بقراتٍ سِمانٍ يأكلهنَّ سبعٌ عِجافٌ وسبعَ سُنبلاتٍ خُضرٍ وأُخرَ يابساتٍ يا أيها الملأُ أفتوني في رُءيَاي إن كنتم للرءيا تعبرون* قالوا أضْغاثُ أحلامٍ وما نحنُ بتأويل الأحلام بعالمين} [سورة يوسف].

قدر الله تبارك وتعالى بتقديره الأزلي أسبابًا لخروج نبيه يوسف عليه السلام من السجن على وجه الاحترام والإكرام، وذلك أن ملك مصر رأى في منامه سبع بقرات سمان خرجن من البحر وخرجت في ءاثارهن سبع بقرات هزال ضعاف فأقبلت على البقرات السمان فأكلتهن، فاستيقظ الملك من نومه مذعورًا، ثم نام ثانية فرأى سبع سنبلات خضر وقد أقبل عليهن سبع يابسات فأكلتهن حتى أتين عليهن، فدعا أشراف قومه فقصها عليهم وطلب منهم أن يفتوه في رؤياه هذه، ولما لم يكن فيهم من يُحسن تعبيرها قالوا له: {أضغاثُ أحلامٍ وما نحنُ بتأويل الأحلام بعالمين} أي أخلاط أحلام من الليل وما نحن بتأويل الأحلام التي هذا وصفها بعالمين أي أنهم لا خبرة لهم بذلك، ولمّا سمع الناجي من السجن وهو ساقي الملك برؤيا الملك ورأى عجز الناس عن تعبيرها تذكر أمر يوسف عليه السلام وما وصاه به، قال الله تعالى: {وقال الذي نجا منهما وادّكَرَ بعد أمّة} [سورة يوسف] أي تذكر بعد مدة من الزمان وهي بضع سنين التي قضاها يوسف عليه السلام في السجن: {أناْ أنبئكم بتأويله فأرسلون} [سورة يوسف] الآية أي إلى يوسف، فأرسلوه إلى يوسف عليه السلام فلمّا جاءه وقصّ عليه رؤيا الملك أجابه يوسف عليه السلام إلى طلبه فعبّر منام الملك بوقوع سبع سنين في الخصب والرخاء ثم سبع سنين جدب وذلك تأويله قوله تعالى: {ثمّ يأتي من بعد ذلك عام فيه يُغاثُ الناس} [سورة يوسف] يعني يأتيهم الغيث والخصب والرفاهية {وفيه يعصرون} يعني ما كانوا يعصرونه من الأعناب والزيتون والسمسم وغيرها. فعبّر يوسف عليه السلام لهم رؤيا الملك ودلّهم على الخير وأرشدهم إلى ما يعتمدونه في حالتي خصبهم وجدبهم، وما يفعلونه من ادخار الحبوب في السنين السبع الأولى التي يكون فيها الخصب في سنبله إلا ما يُرصد بسبب الأكل، لأن ادخار الحب في سنابله أبقى له وأبعد من الفساد، ثم يأتي بعدها سبع سنين مجدبة يحصل فيها الجدب والقحط فتأتي على المخزون من السنين السبع التي تقدمتها أي نصحهم عليه السلام أن يدخروا الحبوب في سنابله إلا ما يرصد للأكل حتى إذا حلّ الجدب والقحط وجدوا في مخازنهم ما يسد الرمق ويمسك عنهم الضيق، حتى يأتي الله بالخصب والغيث، ففسر عليه السلام البقرات السمان بالسنين التي يكون فيها خصب، والبقرات العجاف بالسنين التي يكون فيها قحط وجدب، وكذلك السنبلات الخضر والسنبلات اليابسات، يقول الله تبارك وتعالى حكاية عن يوسف عليه السلام: {قال تزرعون سبع سنين دَأباً فما حصدتّم فذروه في سنبله إلا قليلًا ممّا تأكلون* ثمّ يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكُلنَ ما قدّمتم لهنّ إلا قليلًا ممّا تحصنون* ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يُعصرون} [سورة يوسف].

وقيل: إنَّ ساقي الملك لمّا أرسل إلى يوسف عليه السلام في السجن وقصّ عليه رؤيا الملك قال يوسف للساقي: قل للملك هذه سبع سنين مخصبات ومن بعدهن سبع سنين شداد إلا أن يحتال لهن، فانطلق الساقي إلى الملك فأخبره، فقال له الملك: ارجع إليه فقل له: كيف نصنع؟ فقال: {تزرعون سبع سنين دأباً فما حصدتم فَذَروه في سنبله إلا قليلًا ممّا تأكلون* ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلًا ممّا تحصنون} [سورة يوسف].
ولمّا رجع الساقي إلى الملك وأخبره بتأويل رؤياه التي سمعها من يوسف عليه السلام وقع في نفسه صحة ما قال عليه السلام، وأدرك ما عند يوسف من علم وعقل تام ورأي سديد فقال: ائتوني بالذي عبر رؤياي، وأمر باحضاره إليه ليكون من جملة خاصته ومن المقربين إليه، فلما جاء رسول الملك إلى يوسف عليه السلام أبى يوسف أن يخرج من السجن حتى يتبين لكل واحد أنه حُبس ظلمًا وعدوانًا وأنه برىء الساحة مما نسبوه إليه في شأن امرأة العزيز قال تعالى: {وقال الملك ائتوني به فلمّا جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فسئله ما بال النسوة التي قطّعن أيديهن إنّ ربي بكيدهن عليم} [سورة يوسف].
أي ارجع إلى سيدك وهو الملك فاسأله أن يتعرف ما شأن تلك النسوة اللاتي قطعن أيديهن فإنّ الله عليم بكيدهن ليعلم صحة براءتي، وإنما أشفق يوسف أن يراه الملك بعين الشاك في أمره أو متهم بفاحشة وأحب أن يراه بعد استقرار براءته عنده، فرجع رسول الملك إلى الملك وأخبره بما قاله يوسف، فدعا الملك النسوة اللاتي قطعن أيديهن ومعهن امرأة العزيز وقال لهن: {ما خطبكن} أي ما كان شأنكم وقصتكم إذ راودتن يوسف عن نفسه؟ فأجبنه وقلن للملك: {حاش لله ما علمنا عليه من سوء} وأنكرن أن يكنّ علمن عليه سوءًا، وأعلم النسوة الملك براءة يوسف من السوء الذي نسب إليه كذبًا وبهتانًا.
ولما رأت امرأة العزيز أنّ يوسف عليه السلام الذي زجت به في السجن ظلما وعدوانا قد أكرمه الله تعالى لعصمته وطهارته حتى صار من اهتمام الملك به أنّه يستدعيه ليستخلصه لنفسه اعترفت بما اقترفته وقالت: {الآن حصحص الحق} أي ظهر الحق وصار واضحًا جليًا واعترفت بأنها هي التي راودته عن نفسه وطلبت منه فعل الفاحشة.
يقول تعالى إخبارا عما جرى بين الملك والنسوة: { قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53) } [سورة يوسف].