قصة الرجل الصالح عزير

قِصَّةُ الرَّجُلِ الصَّالح عُزَيْر

جاء سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام كغيره من أنبياء الله تعالى بدين الإسلام وبشريعة الله عز وجل لبني إسرائيل فآمن به من آمن وكفر به من كفر ، وممن كان على دين الإسلام دين سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام رجلٌ من الصالحين اسمه عزير فهو رضي الله عنه رَجُلٌ مسلمٌ صَالِحٌ من بني إسرائيل . هو لم يكن نبيًّا . كانَ يعيشُ بينَ قومهِ في الوقت الذي شَذَّ فيه كثيرٌ من بني إسرائيلَ عن تعاليمِ الإنجيلِ بعد رَفْعِ سَيِّدِنا عيسَى ابنِ مريمَ إلى السَّماء بجسدِه وروحهِ . وَرَدَتْ قِصَّتُهُ مُوجَزَةً في الآية 259 في سورة البقرة ، وها نحنُ الآنَ نوردُها مُفَصَّلَةً لما فيها من إظهارٍ لعظيم قدرة الله تعالى على كل شىء .

انقسَم بنو إسرائيلَ ، قبلَ ظهورِ سَيِّدِنا عيسَى ابنِ مريمَ فيهمْ بزمانٍ طويل ، إلى عدَّة أقسام . قسمٌ منهم كانوا مؤمنينَ مسلمينَ متَّبعينَ للإسلامِ حَقَّ الاتباع ، وقسمٌ منهم كانوا كافرينَ أدخلوا التحريفَ على التَّوراة التي أُنْزِلَتْ على موسى وعلى الدِّينِ زاعمينَ أَنَّ هذا هو الدِّينُ الحَقُّ الذي جاء به أنبياؤُهم ممَّا أدَّى إلى حدوثِ فتنٍ عظيمةٍ كانت تودي أحيانًا بحياة بعضِ الأنبياء الكرامِ عليهمُ الصَّلاةُ والسَّلام .

ولمَّا تكاثر فسادُهم وطَغَوْا وبَغَوْا ، وكانوا قد قتلوا ، نبيَّ الله زكريَّا وابنَه نبيَّ الله يحيى عليه السلام انتقمَ الله منهم فسَلَّطَ عليهم حاكمًا كافرًا جَبَّارًا اسمُه بُخْتَنَصَّر ، فقتلَ هذا الكافرُ من بني إسرائيلَ الكثيرَ وأسر الباقينَ وهرب القليلون ..

ورُفِعَ سيدنا عيسَى عليه إلى السَّماء حَيًّا بجسدِه وروحهِ بعد أن قَتَلَ بنو إسرائيلَ نبيَّ الله يحيى عليه السلام . فلما قتلَ بنو إسرائيلَ نبيَّ الله يحيى عليه الصلاة والسلام وبعد أن قتلوا أباهُ نبيَّ الله زكريَّا عليه الصلاة والسلام انتقمَ الله منهم فسَلَّطَ عليهم حاكمًا كافرًا جَبَّارًا هو بُخْتَنَصَّر . أتى بُخْتَنَصَّرُ من ناحية العراق بجيشٍ جَرَّارٍ إلى بيت المَقْدِسِ في فِلَسْطِينَ فَغَزَا بني إسرائيلَ في عُقْرِ دارِهم وقَتَلَ منهمُ الكثيرَ وأَسَرَ الباقينَ وهَرَبَ القليلون . ثمَّ أَمَرَ جُنْدَهُ بجلبِ كَمِّيَّاتٍ كبيرةٍ من الأتربة ووَضْعِهَا على المدينةِ إمعانًا في إذاقتهم الذُّلَّ والهوان ..

وأَخَذَ بُخْتَنَصَّرُ الأَسْرَى مَعَهُ إلى بابلَ . وكان من بينِ الأَسْرَى الذينَ أخِذوا إلى بابلَ بعضُ علماء بني إسرائيلَ الذينَ كانوا على الإسلام وقد دفنوا التَّوراةَ الأصليَّة ، قبلَ خروجهم من بيت المَقْدِسِ ، في مكانٍ عَرَفُوْا مَوْضِعَهُ وحدَهم .

وكانَ منهم عُزَيْرُ بنُ شَرْخِيَا الذي استطاعَ العودةَ إلى بيت المَقْدِسِ بعدَ فترة . ولمَّا دَخَلَ مدينةَ القُدْسِ وَجَدَ دُورًا مُدَمَّرَةً وبيوتًا حَوْلَهَا الجُثَثُ المُمَزَّقَةُ والعظامُ المُقَطَّعَة . فَمَرَّ بينهم مُتَعَجِّبًا من حالهِم ، وكانَ يجرُّ وراءَه حمارَه . ولمَّا وَصَلَ إلى بساتينِ هذه المدينةِ رءاها عامرةً بالفاكهةِ النَّضِرَة الطَّريَّة فزادَ دَهَشُهُ ، إذ الأشجارُ مثمرةٌ والنَّاسُ ميِّتون .

فقال وقد أَثَّرَتْ فيه العبرة :” سبحانَ الله القادرِ على إحياء هذه المدينةِ وأهلِها بعدَما أصبحوا على هذه الحال ” .

ثمَّ تناولَ من تلكَ الأشجارِ عنبًا وتينًا وملأ منها سَلَّةً له ، ثمَّ عصر عنبًا في وعاء وشربَ منه قليلًا وقعد يستريحُ تحت ظلِّ شَجَرَة .. وما هيَ إلَّا لحظاتٌ حتَّى أماته الله وحَجَبَهُ عن أعينِ النَّاسِ والسِّباعِ والطُّيور .

وبعدَ سبعينَ سنةً من موت عُزَيْرٍ ألهمَ الله مَلِكًا من ملوك فارس ، يقالُ له لُوْسِك ، أن ينهضَ بقومهِ إلى بيت المَقْدِسِ ليَعْمُرَهُ وما حَوْلَهُ من الأراضي حتَّى يعودَ أحسنَ ممَّا كان . فأمرَ المَلِكُ لُوْسِك عَشَراتِ الألوف من أبناء مملكته بالخروج لإعادةِ بناء المدينة . فعادتْ كأحسنَ ممَّا كانت ، وعاد إليها مَنْ بقيَ من بني إسرائيل ، فعَمَرُوهَا في ثلاثينَ سنة وكَثُرُوا وصاروا في رخاء من العيش .

وبعد اكتمال مِائةِ عامٍ على موت عُزَيْرٍ أحياهُ الله تعالى بقدرتهِ العظيمة ، وكانَ قد أماتهُ صباحًا ثمَّ بَعَثَهُ قبلَ الغروب بعدَ مرورِ هذه الفترة الطَّويلة . فأحيا منه ، أَوَّلَ ما أحيا ، قلبَه ليدركَ به وعَيْنَيْهِ ليرَى بهما كيفيَّة بَعْثِ الأجسادِ فيَقْوَى بذلكَ يقينُه ، ثمَّ رأى عُزَيرٌ سائرَ جسدِه كيفَ يُرَكَّبُ من جديد .

ثمَّ أتاهُ مَلَكٌ كريمٌ من الملائكةِ فقال له :” كَمْ لبثتَ ؟ ” ، فأجابه عُزَيرٌ ، على حَسَب ما توقَّعَه :” لبثتُ يومًا ” . . ثمَّ نظر عُزَيْرٌ إلى الشَّمس فرءاها لم تغرُب كلُّها بعدُ ، فقال :” أو بعضَ يوم ” .

وهنا أوضح المَلَكُ الكريمُ لعُزَيْرٍ الأمرَ الذي عَجَزَ عُزَيْرٌ عن إدراكه ، فقال له :” بل لبثتَ مِائةَ عام ، فانظر إلى طعامك ” . فنظَر عُزَيْرٌ إلى سَلَّةِ التينِ والعنبِ فوجدها طازَجَةً نَضِرَةً على الحال التي كانت عليها لمَّا قَطَفَهَا . ثمَّ نظَرَ إلى الشَّراب الذي وَضَعَهُ في الوِعاء فوجده أيضًا على حالٍ جيِّدة لم يَتَعَفَّنْ . ثمَّ قالَ له المَلَكُ :” وانظرْ إلى حمارِك ” . فنظَر إليه عُزَيْرٌ حَيْثُ ربطَه فوَجَدَهُ مَيْتًا وعظامُه قد أصبحتْ بيضاءَ نخِرَةً وقد تَفَرَّقَتْ أطرافُه وبَلِيَتْ ..

وهنا سَمِعَ عُزَيْرٌ صَوْتَ مَلَكٍ من السَّماء يقول :” أيتها العظامُ الباليةُ تجمَّعي بقدرة الله ومشيئته ” . فانضمَّت أجزاءُ العظام إلى بعضِها ، ثمَّ التصقَ كُلُّ عُضْوٍ بالعُضْوِ الذي يناسبُه ، فعاد الضِّلَعُ إلى مكانه ، والذِّراعُ إلى موضعه ، والرَّأْسُ إلى مُقَدِّمَةِ الجَسَد ، ورُكِّبَتِ الأَعصابُ والعروقُ . ثمَّ أنبتَ الله اللَّحْمَ الطَّرِيَّ على الهيكلِ العظميِّ وكَسَاهُ بالجلدِ الذي انبسطَ على اللَّحم . ثمَّ خَرَجَ الشَّعْرُ من الجِلْدِ ، وعندَها جاء مَلَكٌ فنفخَ الرُّوحَ بمشيئةِ الله تعالى في مَنْخِرَيْ الحمار ، فقامَ الحمارُ يَنْهَقُ .

فَهَوَى عُزَيرٌ إلى الأرضِ ساجدًا لله بعد أن شاهد ءايةً من ءاياتِ الله تعالى العجيبة الباهرة ، وهي إحياء الموتى ، وقال:”أعلمُ أَنَّ الله على كُلِّ شيء قدير “.

وهذا ما ورد في كتاب الله تعالى في سورة البقرة في الآية 259 حيث يقول سبحانه إخبارًا عن عُزَيْرٍ (( أو كالذي مَرَّ على قريةٍ وهي خاويةٌ على عروشِها قال أَنَّى يحيي هذه الله بعد موتها فأماتهُ الله مِائةَ عامٍ ثمَّ بَعَثَهُ قال كَمْ لبثتَ ، قال لبثتُ يومًا أو بعضَ يوم ، قال بلْ لبثتَ مِائةَ عامٍ فانظر إلى طعامِك وشرابكَ لم يَتَسَنَّهْ وانظر إلى حماركَ ولِنَجْعَلَكَ ءايةً للنَّاسِ وانظر إلى العظامِ كيفَ نُنْشِزُها ثمَّ نكسوها لحمًا ، فلمَّا تبيَّنَ له قال أعلمُ أَنَّ الله على كُلِّ شيء قدير )) .

ورُوِيَ أنه لمَّا خَرَجَ عُزَيْرٌ قبلَ مِائةِ عامٍ كانَ عُمُرُهُ أربعينَ عامًا ، أسودَ الشَّعْرِ ، قَوِيَّ البُنْيَة ، وقد تركَ زَوْجَتَهُ حاملا . فلمَّا ماتَ عُزَيرٌ وُلِدَ له وَلَدٌ . ولمَّا عادَ عُزَيْرٌ إلى الحياةِ كانَ ابنُه قد صار عُمُرُهُ مِائةَ عام . .

فَرَكِبَ عُزَيرٌ حمارَه وأَتى المكانَ الذي كانَ يسكنُه ، فلم يعرفْه أحدٌ من أهلِ تلكَ الدِّيار ، ولم يَعْرِفْهُ أهلُه ولم يعرفْهم هو . إذْ قَدْ وُلِدَ أناسٌ كثيرونَ وماتَ أناسٌ كثيرون .. ثمَّ قَصَدَ منزلَه ، فوجد عجوزًا عمياءَ مُقْعَدَةً كانتْ تخدُمهم لمَّا كانت شَابَّةً فَتِيَّةً في سنِّ العشرين . فقال لها :” أهذا منزلُ عُزَيْر ؟ ” .

فقالت :” نعم ، ولكنَّ عُزَيْرًا ذهب منذ عَشَراتِ السِّنين ، ذهبَ إلى مكان لا يعرفُه أحدٌ واختفَى حتَّى نسيَه النَّاس ، وما رأيتُ أحدًا منذ زمنٍ بعيد يذكرُ عُزَيْرًا . فما الذي ذَكَّرَكَ به الآن ؟ ، ومن أنت ؟ ” .

فقال لها :” أنا عُزَيْر . أماتني الله مِائةَ عام ، وها قد بعثني ” .

فاضطربَ أمرُ هذه العجوز . ثمَّ قالت :” إنَّ عُزَيْرًا كانَ رَجُلًا صالحًا ، مُسْتَجَابَ الدَّعوة ، لا يدعو لمريضٍ أو صاحب بلاء إلَّا تعافَى بإذن الله . فادعُ الله لي أن يعافيَني ويَرُدَّ عليَّ بصري ” ، وهذا حتى تتأكد يطمئن قلبها أنه عزيرٌ حقيقة .

فدعا عُزَيرٌ رَبَّه أن يشفيها ، فإذا هيَ ذاتُ بَصَرٍ حادٍّ ووَجْهٍ مُشْرِقٍ تقفُ على رجليها كأنها ما أصابها ضُرٌّ قَطُّ . فما تمالكت أن قالتْ :” أشهدُ أَنَّكَ عزير ” .

ثمَّ انطلقتْ به إلى بني إسرائيل . وبينهم أولادُه وأحفادُه . وقد غَزَا الشَّيْبُ رؤوسَهم ولحاهُم حتَّى صارتْ أبيضَ من الثَّلج . ومنهم مَنْ بلغَ الثَّمانين ، ومنهم مَنْ قاربَ الخمسين . وبينَ القومِ بعضُ أصدقائهِ الذينَ أتعبَ الزَّمانُ أجسادَهم وأرهقتْ همومُ الحياة هِمَمَهُمْ .

فلمَّا دَخَلَتْ عليهم صاحتْ :” إنَّ عُزَيْرًا الذي فقدتموه منذُ مِائةِ عامٍ قد رَدَّهُ الله تعالى عليكم رَجُلًا قويًّا يمشي مِشْيَةَ الشَّباب الكاملين ” .

وهنا ظَهَرَ لهم عُزَيْرٌ بهيَّ الطَّلْعَة ، سَوِيَّ الخَلْقِ ، شديدَ العَضَلات ، أسودَ الشَّعْر . فلم يعرفوه ، ولكنَّهم أرادوا أن يمتحنوه . فأتى ابنُه وقال له :” لقد كانت أُمِّي تخبرُني أنه كان لأبي ، بينَ كتفيه ، شَامَةٌ سوداءُ تشبه الهلالَ ، فأرِنا إيَّاها ” . فَكَشَفَ عُزَيرٌ عَنْ ظهرِه ، فظهرت الشَّامَةُ .

ثمَّ أرادوا أَنْ يتيقَّنوا أكثر . فقام من بينهم رَجُلٌ كبير وقال :” أخبرَنا أجدادُنا أَنَّ بُخْتَنَصَّرَ لمَّا هاجم بيتَ المَقْدِسَ أحرقَ التَّوراةَ ولم يبقَ ممَّنْ حَفِظَهُ غيبًا إلَّا القليل ، ومنهم عُزير . فإنْ كنتَ أنتَ هُوَ فاتلُ علينا ما كنتَ تحفظ ” ..

فقامَ عُزَيْرٌ ولحِقوا به إلى الموضعِ الذي دَفَنَ فيه التَّوراةَ عندَ هجومِ بُخْتَنَصَّرَ . فأخرجَ التَّوراةَ ، وكانتْ ملفوفةً بخِرقة ، فاستخرجها وقد تَعَفَّنَ بعضُ وَرَقِهَا . ثمَّ جَلَسَ في ظلِّ شَجَرَة وبنو إسرائيلَ حولَه ممسكينَ بالتَّوراة يتابعون ما سَيَتْلُو .

وراحَ عُزَيْرٌ يتلو التَّوراةَ عن ظهر قلب ، والقومُ يتابعونه ، حتَّى أتى على ءاخرِ ءايةٍ منها من دون أن يتركَ ءايةً واحدةً منها . ولم يحرِّف جزءًا ولم يترك حرفًا . عند ذلكَ صافحوه مصدِّقين ، وأقبلوا عليه يتبرَّكون به . ولكنْ ، بَدَلَ أن يزدادوا إيمانًا ، كفروا وضلُّوا وقالوا :” عُزَيْرٌ ابنُ الله ” والعياذ بالله تعالى .

يقول الله تعالى في سورة التوبة (( وقالتِ اليهودُ عُزَيْرٌ ابنُ الله وقالتِ النَّصارى المسيحُ ابنُ الله ، ذلكَ قولُهم بأفواهِهم ، يضاهِئون قولَ الذينَ كفروا مِنْ قَبْلُ ، قاتَلَهُمُ الله ، أَنَّى يُؤْفَكُوْن )) ..

ومما يُذْكَرُ أن الذين كانوا يحفظون الكتب السماوية التي نزلت على الأنبياء قبل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عددهم قليل في تلك الأمم ليس كما هو الحال في أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، ففي أمة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام حَفَظَة القرآن الكريم عددهم كثير فتجد ابن سبع سنين يحفظ القرآن الكريم وهذا مما خُصَّت به هذه الأمة ، لأجل ذلك لما بُعِثَ عزيرٌ بعد موته بمائة سنة وكان يحفظ التوراة قال البعض إنه ابن الله والعياذ بالله تعالى .