قصة حمار الجوف

علينا بتركِ الغَضَب لأنَّ الغَضَبَ مَسَاوِؤُهُ كثيرةٌ لا تُحْصَى، كانَ في الماضي القديمِ رَجُلٌ يقالُ له حمارُ بنُ مالك، هو كانَ من العَرَبِ من قبيلةِ عاد، قومُ عادٍ كانوا قبلَ سَيِّدِنا إبراهيمَ بزَمَانٍ طويل، فهذا الرَّجُلُ الذي يُسَمَّى حمارَ بنَ مالكٍ كانَ زعيمًا على وادٍ في الجزيرةِ العربيَّة، وكانَ يقالُ لذلكَ الوادي جَوْفٌ، عاشَ هذا الرَّجُلُ على الإسلام أربعينَ سنةً ثمَّ ابتلاهُ الله تعالى ببلاء عظيم، أرسلَ الله صاعقةً على أولادِه فقَتَلَـتْهُمْ، فغضبَ غَضَبًا شديدًا وكَفَرَ كُفْرًا كبيرًا، قال :” لا أعبدُ الله بعدَ الآنَ لأنه قتلَ أبنائي ” . وبالغَ في الكُفْرِ . فصارَ كُلَّما زارَ إنسانٌ هذا الواديَ قال هذا المرتدُّ له :” أُكْفُرْ بالله وإلَّا قَتَلْـتُكَ ” .. فكانَ إذا نَطَقَ هذا الزَّائرُ الغريبُ بالكُفْرِ تَرَكَهُ وإلَّا قَتَلَه ..فانتقمَ الله ، عَزَّ وجَلَّ ، من هذا المرتدِّ الكافر ، فأرسلَ نارًا من أسفلِ الوادي فأحرقتِ الواديَ . كانَ في هذا الوادي شجرٌ كثيرٌ وماءٌ غزير . فصارَ أجردَ ، لم يَبْقَ فيه شَجَر . ونَضَبَ الماءُ فيه .. هذا الرَّجُلُ لو صَبَرَ على هذا البلاء لنالَ أجرًا كبيرًا . لو ثَبَتَ على إسلامهِ ولم يَكْفُرْ لنالَ أجرًا كبيرًا . وذلكَ لأنَّ المؤمنَ الذي يَفْقِدُ مَنْ يَعِزُّ عليهِ كالوَلَدِ والأَبِ والأُمِّ والأَخِ والأختِ إنْ صَبَرَ لوجهِ الله تعالى فله الجَنَّة ..

الله ، تباركَ وتعالى ، يقول في الحديث القدسيِّ :” ما لعبدي المؤمنِ عندي جزاءٌ إذا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ من أهلِ الدُّنيا ثمَّ احتَسَبَهُ إلَّا الجَنَّة ” . رَوَاهُ البخاريُّ في[(الصَّحيح)/كتاب الرِّقاق]..

فهذا الرَّجُلُ لو ثَبَتَ على إسلامهِ ولم يَعْتَرِضْ على رَبِّهِ لنالَ هذا الأجرَ العظيمَ . لكنَّه خَسِرَ في الدُّنيا والآخرة . لم ينفعْه كُفْرُهُ ، بل زادَه الله تعالى نِقْمَةً . أرسلَ على ذلكَ الوادي نارًا أحرقتهُ . وهذا الوادي في الجزيرةِ العربيَّة . فطُوبى لمنْ تجَمَّلَ بهذا الحديثِ فكَفَّ نفسَه عندَ الغَضَب .

ثمَّ إنَّ رسولَ الله ، صلَّى الله عليه وسلَّم ، قال :” ليسَ الشَّديدُ مَنْ غَلَبَ النَّاسَ ولكنَّ الشَّديدَ من غَلَبَ نَفْسَه ” .. رَوَاهُ ابنُ حِبَّان .. وهذا الأَمْرُ ، أيْ تَرْكُ الغَضَب ، يحتاجُ إلى مخالفةِ النَّفْسِ ، لأنَّ النَّفْسَ تُحِبُّ أنْ تَعْلُوَ على غيرِها ، وتشتهي أنْ تنتقمَ ممَّنْ أساءَ إليها . وهذا الانتقامُ قد يُؤَدِّي إلى مفاسدَ ، وبعضُ مفاسدِ الغَضَبِ أشَدُّ من بعض . فقد يُهَوِّنُ الغَضَبُ على الإنسانِ الكُفْرَ بالله . الإنسانُ في حال الرِّضَى يَكُونُ هادئًا ، يَحْفَظُ لسانَه ، لكنْ حينَ يَغْضَبُ قد يَكْفُرُ أو يَبْطِشُ ظُلْمًا وعُدْوانًا