هلاك عاد قوم هود عليه السلام

إهلاك عاد وإنزال العذاب بهم لتكذيبهم نبي الله هودًا عليه السلام

لما تجبر قوم هود عليه السلام ولم يستجيبوا لدعوة نبيهم هود عليه السلام بل عصوا رسول الله هودًا وكذبوه وجحدوا بآيات الله التي أقامها هود عليه السلام دلالة على صدقه في أنه مرسل من ربه واتبعوا أمر كل جبار عنيد من ملإ قومهم وأصروا على عبادة الأصنام أحلَّ الله تبارك وتعالى بهم نقمته وعذابه في الدنيا بعد أن أنذرهم سيدنا هود عليه السلام بالعذاب القريب الذي ينتظرهم، قال تعالى: {قالَ ربِّ انصُرني بما كذَّبونِ* قالَ عَمَّا قليلٍ ليُصْبِحُنَّ نادمينَ} [سورة المؤمنون]، وقال تعالى إخبارًا عن هود: {فانتظروا إنِّي معكم منَ المنتظرينَ} [سورة الأعراف]، فأمسك الله عنهم المطر حتى جهدوا، وكان كلما نزل بهم الجهد ذكَّرهم هود بدعوة الله وأنه لا ينجيهم من البلاء والعذاب إلا الإيمان والاستماع لنصائحه بالقبول، فكان ذلك يزيدهم عتوًا وعنادًا فازداد العذاب عليهم وصاروا في قحط وجفاف شديدين فطلبوا السقيا والمطر وأوفدوا وفدهم إلى مكة يستسقون لهم، فأنشأ الله سحابًا أسود وساقه إلى عاد فخرجت عليها من واد فلما رأوها استبشروا أنه سحاب مطر وسُقيا ورحمة فإذا هو سحاب عذاب ونقمة قال تعالى: {فلمَّا رأوهُ عارِضًا مُسْتَقبِلَ أوديتهم قالوا هذا عارضٌ مُمْطِرُنا بل هوَ ما استعجلتُم بهِ ريحٌ فيها عذابٌ أليمٌ* تُدَمِّرُ كُلَّ شيءٍ بأمرِ ربِّها فأصبحوا لا يُرى إلا مساكنهم كذلكَ نُجزي القومَ المُجرمينَ} [سورة الأحقاف]، أي أن الله أرسل عليهم ريحًا شديدة عاتية حملت رحالهم ودوابهم التي في الصحراء وقذفت بها إلى مكان بعيد، فدخل قلوبهم الفزع وهرعوا مسرعين إلى بيوتهم يظنون أنهم ينجون، ولكن هيهات إذ حملتهم هذه الرياح الشديدة وأهلكتهم. وكان بعد ذلك أن العرب إذا بعثوا وفدًا لهم قالوا: لا تكن كوافد عاد، روى الإمام أحمد في مسنده أن الحارث بن حسان البكري قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: “أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد” الحديث.

قال الله تعالى في سورة الحاقة: {وأمَّا عادٌ فأُهلِكوا بريحٍ صَرصَرٍ عاتيةٍ* سَخَّرَها عليهم سبعَ ليالٍ وثمانيةَ أيَّامٍ حُسُومًا فترى القومَ فيها صرعى كأنَّهُم أعجازُ نخلٍ خاويةٍ* فهل ترى لهُم من باقيةٍ} [سورة الحاقة].

لقد أرسل الله على قوم هود ريحًا باردة شديدة الهبوب سخرها الله على القوم الكافرين سبع ليال وثمانية أيام كوامل متتابعات حتى أهلكتهم وصاروا صرعى، وقد شبههم الله بأعجاز النخل التي لا رءوس لها، وذلك لأن هذه الريح كانت تجيء إلى أحدهم فتحلمه فترفعه في الهواء ثم تنكسه على أم رأسه فتشدخه فيبقى جثة هامدة بلا رأس، قال الله تبارك وتعالى: {وفي عادٍ إذ أرسلنا عليهمُ الريحَ العقيمَ} [سورة الذاريات] أي التي لا تنتج خيرًا، وقال تعالى: {ما تَذَرُ من شيءٍ أنتَ عليهِ إلا جعلَتْهُ كالرِّميمِ} [سورة الذاريات] أي كالشيء البالي الفاني الذي لا ينتفع به بالمرة، وقال تعالى: {إنَّا أرسلنا عليهم ريحًا صرصرًا في يومٍ نَحْسٍ مستمرٍ* تَنزعُ الناسَ كأنَّهُم أعجازُ نخلٍ مُنقَعر* فكيفَ كانَ عذابي ونُذُرِ} [سورة القمر].

ومن قال إن يوم النحس المستمر يوم الأربعاء وتشاءم به لهذا الفهم فقد أخطأ وخالف القرءان فإن الله تعالى قال: {فأرسَلنا عليهم ريحًا صرصرًا في أيامٍ نحِساتٍ لنُذيقهم عذابَ الخِزيِ في الحياةِ الدنيا ولَعذابُ الآخرةِ أخزى وهُم لا يُنصرونَ} [سورة فصلت]، وروى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “نُصرت بالصّبا، وأهلكت عاد بالدَّبور”، وريح الصبا تساعد في إضعاف الكفار عند القتال، وأما قوم عاد الكفار سلط الله عليهم الدبور.

ولقد نجى الله هودًا عليه السلام ومن معه من المؤمنين قال تعالى: {فأنجيناهُ والذينَ معهُ برحمةٍ مِنَّا وقطعنا دابِرَ الذينَ كذبوا بآياتِنا وما كانوا مؤمنين} [سورة الأعراف]، وقال تعالى: {ولما جاءَ أمرُنا نجَّينا هودًا والذينَ ءامنوا معهُ برحمةٍ مِنَّا ونجيناهُم مِن عذابٍ غليظٍ} [سورة هود].

وقد حج بعد ذلك سيدنا هود عليه السلام كما روى ذلك أبو يعلى في مسنده، أما موضع قبره ففيه خلاف، قيل حضرموت في بلاد اليمن، وقيل بالحِجر من مكة، وذكر ءاخرون أنه بدمشق، وبجامعها مكان في حائطه القبلي يزعم بعض الناس أنه قبر هود عليه السلام والله أعلم. وبلاد عاد اليوم رمال قاحلة لا أنيس فيها ولا ديار، فسبحان الملك العزيز الجبار.