آثار ولادة سيدنا محمد ﷺ على الخلائق

آثار ولادة سيدنا محمد ﷺ على الخلائق

الحمدُ للهِ الذى أنعمَ علينَا بمحمدٍ سيدِ البشر فَخرِ ربيعةَ ومُضر منِ انشقَ له القَمر وسلَّمَ عليهِ الحَجر وسعى لخدمتهِ الشَجر، صلى الله عليهِ وسلم صلاةً وسلامًا تامَّينِ مُتلازِمَينِ إلى يوم المحشر، أما بعد:

 قال الله عز وجل: ﴿قَدْ أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا، رَّسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ ءايَاتِ اللهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ ءامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾، أرسل الله عز وجل رسوله محمدا ﷺ بالهدى ودين الحق فعمت أنوار هدايته وانتشرت آثار بعثته وبروزه للعالمين فكان هاديا إلى طريق الحق ومبشرا بنعيم أبدي لمن آمن به ومنذرا من عذاب أليم لمن كذبه وجحد به، وكان داعيا إلى الله بإذنه وسراجا وهَّاجًا وقمرا منيرا يضىء طريق الحيارى ويبين لهم، فهو صاحب الفضل العظيم والخير العميم وصاحب الأخلاق العليا والأيادي البيضاء وهو صاحب الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود والحوض المورود، قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾، أي من جنسكم ومن نسبكم عربي من أشرف قبائل العرب من قريش، فهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي العربي ﷺ، ويبين ﷺ هذا النسب الشريف وهذا العقد المتلألىء بقوله: ((إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ))، فكان صفوةً من صفوةٍ وخيرةً من خيرةٍ ﷺ، وهو الماحي الذي يمحى به الكفر وهو الحاشر الذي يحشر الناس على عقبه وهو العاقب الذي لا نبي بعده وهو نبي الرحمة الذي قال عنه ربه عز وجل: ﴿بِالْمُؤْمِنِيْنَ رَؤُوْفٌ رَحِيْمٌ﴾، وهو سيد الأولين والآخرين ﷺ الذي قال: ((أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ)) رواه مسلم.

رفع الله ذِكرَ محمد ﷺ في الأولين وفي الآخرين وبين الملائكة إلى يوم الفصل والدين قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، رُفِعَ ذِكْرُهُ ﷺ بأن قُرن ذكرُه بذكر الله في كلمة الشهادة وفي الأذان والإقامة وفي الخطب والتشهد وفي غير موضع من القرآن الكريم وفي تسميته ﷺ رسولَ الله ونبيَ الله ومع هذا كله فقد ذكر في كتب الأولين.

هذا النبيُّ العظيمُ الذي جعلَهُ ربُّه هاديًا ومبشِّرًا ونذيرًا وداعيًا الى اللهِ بإذنِه سراجًا وهَّاجًا وقمرًا منيرًا، كان أميًّا لا يقرأُ المكتوبَ ولا يكتُبُ شيئا ومع ذلك كان ذا فصاحةٍ بالِغَةٍ، كان ذا نُصْحٍ تامٍّ ورأفةٍ ورحمةٍ ذا شفقةٍ وإحسانٍ يُواسي الفقراءَ ويسعى في قضاءِ حاجةِ الأراملِ والأيتامِ والمساكينِ والضعفاءِ، كان أشدَّ الناسِ تواضُعًا يُحبُّ المساكينَ ويشهَدُ جنائِزَهم، فما أعظمَه مِنْ نبيٍّ وما أحلاها من صفاتٍ عسانَا أنْ نتجمَّلَ بصفاتِهِ الكريمةِ لنكونَ على هديِه ﷺ، هذا النبيُّ العظيمُ الذي بعثه ربُّه رحمةً للعالمينَ ليعلِّمَ الناسَ الخيرَ، ليأمرَهُم بالبِرِّ، وَيُبَيِّنَ لهم شرائعَ الإسلامِ، قالتِ السيدةُ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها:((مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللهِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، ومَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللهِ لِنَفْسِهِ، إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللهِ فيَنَتقِمَ للهِ بها)) رواه البخاري،هذا هو النبيُّ العظيمُ فما أُحَيلَاهُ من نبيٍّ كريمٍ، وما أعظمَها مِن أخلاقٍ إسلاميةٍ محمديةٍ، وما أحوجَنا للاطِّلَاعِ على شمائلِ الرسولِ ﷺ لنهذِّبَ أنفسَنا لنطهِّرَ جوارحَنا لنتواضَعَ فيما بيننا ونتطاوَعَ، فقد روى عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ ﷺ اضطَجَعَ على حصيرٍ فأثَّرَ الحصيرُ بجلدِه قالَ: فجعلْتُ أمسحُهُ عنهُ وأقولُ: بأبي أنتَ وأمي يا رسولَ اللهِ ألا أَذِنتَنا فنبسُطَ لكَ شيئًا يَقِيكَ منهُ تنامُ عليهِ فقالَ: ((مَا لِي وللدُّنْيَا؟ مَاْ أَنَا وَالدُّنْيَا، إِنَّمَا أَنَا وَالدُّنْيَا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا)) رواه البهقي، فصلَّى اللهُ العظيمُ على نبيِّنا الكريمِ صلاةً يغفِرُ بها ذنوبَنا ويُصلِحُ بها أحوالَنا ويُحسِنُ لنا بها الختامَ ويعينُنا بها على تمامِ الاقتداءِ بهِ ﷺ.

هذا النبي الكريم عظيم القدر عند الله تعالى، ببروز نور هدايته ومولده ﷺ للدنيا بدأت رايات الباطل وصروح الشرك والوثنية تنمحي وانقلب مسار التاريخ من أسوء الأحوال التي كانوا عليها إلى أن صاروا دعاة إلى الخير والتوحيد ومحاسن الأخلاق، فالله تعالى رحمنا بمحمد ﷺ وهو القائل لنبيه صلوات ربي وسلامه عليه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِيْنَ﴾، وقد قال رسول الله ﷺ: ((إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ)) رواه ابن أبي شيبة، وإن آثار ولادة نبينا ﷺ ظاهرة على البشرية وظاهرة عبر السنين، ويشهد بها القريب والبعيد والصديق والعدو.

محمد ﷺ علم الدنيا مكارم الأخلاق ومحاسنها فقد بعث لإتمامها وهو القائل: ((إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِمَ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ))، فهو صاحب الخلق العظيم الذي قال تعالى في وصف خلقه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىْ خُلُقٍ عَظِيْمٍ﴾، كان الناس قبل بروزه للدنيا منغمسين في القبائح والرذائل وبعيدين كل البعد عن الأخلاق الحسنة، فصاروا بعده ﷺ دعاة إلى ما يستحسن من الأخلاق من حلم وعطف وصفح وإحسان للجار وبر للوالدين وغيرها من محاسن الأخلاق، فقد كان إماما لهم في الأخلاق الحسنة وداعيا إليها ومعلما لها وقد جاء عن بعض الصحابة في وصف خلق رسول الله ﷺ: ((لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا)) رواه البخاري، وقد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا)) رواه البخاري، بعث ﷺ هاديا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى التوحيد وترك عبادة غير الله فانتشر العدل والخير في مشارق الأرض ومغاربها.

 كان الناس قبل بعثته يعبدون الأصنام والكواكب ويعبدون بعضهم البعض حتى وصل الجهل ببعضهم أنه يصنع صنما من تمر فيعبده وعندما يجوع يأكله، فصاروا بعد ذلك دعاة إلى التوحيد وإلى أنوار الهداية وإلى عبادة الله الواحد الأحد الذي ليس كمثله شىء الذي ليس جسما ولا يشبه الأجسام الذي لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان، وقد دعاهم ﷺ إلى إعمال التفكير والنظر في مخلوقات الله تعالى فيستدل بذلك على أن الخالق سبحانه وتعالى لا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا يوصف بصفات البشر، بعد أن كانوا على التقليد الأعمى لآبائهم في شركهم وأخلاقهم، فقد روى ابن حبان أن النبي ﷺ قرأ هذه الآيات ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ إلى آخر السورة وقال: ((وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيْهَا))، فهذه دعوة للتفكر في مخلوقات الله عز وجل، وهو ممدوح في شرع الله عز وجل، وكان هذا الأمر قبل بعثته عليه الصلاة والسلام لا يلتفت إليه بل يقلدون آباءهم بعباداتهم الفاسدة ولا يرضون ببديل غير هذا، فنوَّر محمد ﷺ عقولهم وقلوبهم بنور الإيمان والتوحيد.

 ومن بداية دعوته ﷺ جعل الرابطة المقدمة بين المسلمين رابطة الدين والعقيدة وليست رابطة النسب والقرابة فجمعت هذه الرابطة بين الصحابة رضوان الله عليهم على اختلاف أعراقهم وأجناسهم وألوانهم يدعون إلى التوحيد ويقومون به، وهي التي جمعت بين بلال الحبشي وصهيب الرومي وأبي بكر القرشي وسلمان الفارسي رضي الله عنهم أجمعين.

فآثار مولده ﷺ وبروزه إلى الدنيا عظيمة كثيرة فهو الذي كان فردا فصار أمة فأي رابطة هي التي جمعت كل هؤلاء الصحابة وأي رجل هو الذي زرع في قلوبهم كل هذه المبادىء والأخلاق السامية والاعتدال والتوسط والبعد كل البعد عن الانحلال والقبائح والرذائل حتى صار هذا ديدنا لهم. ولتوثيق المحبة والعطف على المسلمين نجد أن النبي ﷺ قد علمهم النصيحة فيما بينهم، فقال ﷺ: ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ)) وعلمهم أن المؤمن مرآة لأخيه المؤمن إذا رأى منه عيبا ينصحه لإبعاده عن الخطأ.

وبهذا سرعان ما يزول الحقد والحسد والضغينة من بينهم وقد علمهم أن يكونوا عباد الله إخوانا لا يظلم بعضهم البعض ولا يخذل بعضهم البعض وأن يكونوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا. قال ﷺ: ((لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ))، وقد أكَّد ﷺ على حفظ حقوق المسلمين وحفظ أموالهم وحفظ دمائهم وأعراضهم، فقدْ روى البخاريُّ ومسلمٌ مِنْ حديثِ أَبِي بَكْرَةَ رضيَ اللهُ عنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا»، وقدْ قالَ رسولُ اللهِ ﷺ فيمَا رواهُ النَّسَائِيُّ: ((لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عِنْدَ اللهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ))، وفِي روايةٍ عندَ ابنِ ماجَهْ: ((مِنْ قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِغَيْرِ حَقَ)).

وهو الذي آخى بين المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ونجد هذا واقعا ملموسا من عمله ﷺ عندما قدم المدينة بعد الهجرة فقد آخى ﷺ بين المهاجرين والأنصار أخوين أخوين حتى إن الواحد منهم كان يقسم ماله وطعامه بينه وبين أخيه المسلم، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾، وبهذا يصيرون كالبنيان المرصوص فقد قال تعالى في سورة الصف: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾.

 ومن آثاره ﷺ على العالمين الواضحة الجلية أن المرأة أكرمت في شريعته ﷺ بعد أن كانت تهان وبعد أن كانت البنات الرُضَّعُ تُوْأَدْنَ وتُدْفَنَّ وهنَّ أحياء، حتى إنه أوصى بالنساء خيرا وحفظ حق المرأة سواء كانت في بيت أبيها أو زوجة في بيت زوجها أو أختًا أو أمًّا لأولاد أو عاملة في المجتمع فقد قال ﷺ: ((اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا))، وهو الذي كان يقوم في خدمة أهله ويقول ﷺ: ((أَكْمَلُ المؤْمنين إِيمَاناً أَحْسنُهُمْ خُلُقًا، وَخِياركُمْ خيارُكم لِنِسَائِهِم))، فنَبِيُّنا ﷺ وهُوَ سيدُ الأمةِ وإمامُ الأنبياءِ والمرسلينَ وقائدُ الغرِّ المحجَّلِينَ وصاحبُ الوسيلةِ والفضيلةِ كانَ يَحْلِبُ شاتَهُ بيَدِهِ ويَخْصِفُ نَعْلَهُ بيدِهِ ويَرْقَعُ ثَوْبَهُ ويَعْمَلُ فِي خدمةِ أهلِهِ، فقدْ سُئِلَتِ السيدةُ عائشَةُ رضيَ اللهُ عنهَا فيمَا رواهُ البخاريُّ: ((مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ يَعْنِي: خِدْمَةِ أَهْلِهِ فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ))، وقدْ روى الترمذيُّ عنِ السيدةِ عائشةَ: ((لَمْ يَكُنْ رسولُ اللهِ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَلَا صَخَّابًا فِي الأَسْوَاقِ وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ)).

 وحُفظت ببروزه ﷺ للدنيا الأنساب بعد أن كانت تبتذل وبعد أن انتشر الزنا، ووصلت ببعثته الأرحام بعد أن كانت تقطع قال تعالى: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وانتشر بظهوره الصدق والأمانة بعد فشو الكذب والخيانة قال ﷺ حاثًا على الصدق ومحذرا من الكذب: ((إِنَّ الصَّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ ليصْدُقُ حَتَّى يُكتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفجُورِ وَإِنَّ الفجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا)).

 وحفظت بشريعته ﷺ العقول بعد أن كانت تضيع فقد حرَّم كل ما يُذهب العقول كالخمر والمخدرات التي تذهب العقول.

وقد حث الشرع الحنيف على الاعتناء بالطير وبالشجر والبهائم قال رسول الله ﷺ: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ)) متفق عليه ، والمراد بذلك الأشجار المثمرة التي يأكل منها الطير والإنسان ويستظل بها.

وحتى بعض البهائم دعا الشرع الحنيف لعدم إيذائها بغير حق فقد أخبر النبي ﷺ عن عظيم إثم من يؤذي هذه الحيوانات بغير حق فقال: ((دخَلتِ امرأةٌ النَّارَ في هِرَّةٍ ربَطَتْها فلا هي أطعَمَتْها ولا هي أرسَلَتْها تأكُلُ مِن خَشاشِ الأرضِ حتَّى ماتت)) متفق عليه، وحتى عند ذبح بعض البهائم للأكل، فإن الإسلام أمر أن يكون ذلك بإحسان ودون تعذيب، فقد قال رسول الله ﷺ: ((إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَة وَإِذا ذَبَحْتُم فَأَحْسِنُوا الْذِّبْحَة وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ  شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ)) رواه مسلم.

وقد دعا الإسلام إلى إماطة الأذى عن الطريق وجعلها من شعب الإيمان، قال النبي ﷺ: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسبْعُونَ أوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شَعْبَةً: فَأفْضلُهَا قوْلُ لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَأدْنَاهَا إمَاطَةُ الأذَى عنِ الطَّرِيقِ وَالحيَاءُ شُعْبةٌ مِنَ الإِيمانِ» متفقٌ عليه .

وحتى إن الإسلام دعا للطهارة في البدن والثوب وحرَّم التضمخ بالنجاسات فقد روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «مَن اغْتَسَلَ يَـوْم الجُمُعَةِ غُسْلَ الجنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ في الساعة الأولى فكَأَنَّمَا قرَّبَ بَدنَةً» متفقٌ عليه، وقد بيّن لنا النبي ﷺ أن من أسباب عذاب القبر عدم تنزّه المرء من بوله.

و قال تعالى مخاطبًا نبيه ﷺ – في القرآن الكريم: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، وأمرنا الإسلام أن نتجنب الروائح الكريهة، عند دخول المساجد، فقد روى جابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال النبي ﷺ: «مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا، فَلْيَعْتَزلْنَا أَوْ فَلْيَعْتَزلْ مَسْجدَنَا» متفقٌ عليه.

 فآمن بهذا الخير الذي جاء به نبي الرحمة ﷺ أناس اطمأنت قلوبهم لذلك وكانوا أئمة يقتدى بهم فهم الذين تربوا في مدرسة محمد ﷺ وشربوا من هذا الماء الصافي الزلال، ونهلوا من معين هذه الأخلاق العليا فانطلقوا بعده ﷺ وبما تعلموا منه وبما أخذوا منه من إرشادات ونصائح ينشرون أنوار الحق في مشارق الأرض ومغاربها حتى وصلوا إلى أقصى الشرق إلى بلاد الهند والسند، وإلى أقصى الغرب إلى الأندلس وما حولها في أقل من قرن من الزمن.

ومن آثار مولده ﷺ على الناس أنه ﷺ نقل قلوب الصحابة رضوان الله عليهم من الركض وراء هذه الدنيا الفانية ومناصبها وزينتها إلى تركها والزهد فيها وإيثار الآخرة الباقية فكانوا منارات علم وحضارة وفتوح لقلوب الناس وهدايتهم إلى نور الحق.

وهو الذي زرع في قلوب المسلمين الشفقة والرحمة على بعضهم البعض وربَّاهم على التناصح والتشاور والتزاور فيما بينهم وأن يحب المسلم لأخيه ما يحب لنفسه من الخير وأن يكونوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، قال رسول اللَّه ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» رواه مسلم، وفي رواية وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِه، وقد علَّمَ الأمة أن المسلم الكامل من سلم المسلمون من لسانه ويده، قال ﷺ: ((الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ))، ودعا ﷺ إلى أن يعطف الغني على الفقير بماله فجعل حقا للفقير من مال الأغنياء ويكون هذا العطاء عن حب وتراضٍ بينهم بلا مَنٍّ ولا أذىً فقد قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.

كانت دعوة رسول الله ﷺ بالعلم والبينة والحجة الواضحة التي لا لبس فيها، وكانت دعوةً للعلم فهو الذي كان يحذر من الجهل ومغباته وما يؤثر به على المجتمعات فإن الجهل يدمر المجتمعات تدميرا، ويؤدي إلى انتشار الأفكار الموبوءة والشاذة التي تخالف القيم والمبادىء الإنسانية والإسلامية، فقد قال تعالى مبينا علو قدر العلماء: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، وقال تعالى مبينا مكانة العلماء في الإسلام ورفعة مقامهم: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، وناهيك في فضل العلماء ومكانتهم ما قال ربنا عز وجل: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. قال المفسِّر القرطبي رحمه الله: “في هذه الآية دليلٌ على فضل العلم وشرف العلماء وفضلهم، فإنّه لو كان أحدٌ أشرف من العلماء لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته كما قرن اسم العلماء”. ومراد القرطبي أن العلماء الأتقياء أشرف وأفضل من عامة الناس. فيكفيهم شرفًا أن الله رفع من شأنهم، فهم أهل خشيته من بين خلقه، قال تعالى: ((إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُُ)) سورة فاطر. أي أن العلماء الأتقياء هم أشدُّ خشيةً لله من غيرهم. وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «فَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ»، ثم قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيْرَ»، رواه الترمذي،  فيا له من فضلٍ كبيرٍ وشرفٍ عظيم.

فكان أصحابه رضي الله عنهم هم حملةَ رسالة الإسلام السمحة الداعية إلى العدل والاعتدال والوسطية والتوسط في الأمور ونبذ الغلو والتطرف، وكان الذين ابتعدوا عن إرشاداته وتعاليمه هم الذين تخبطوا في البلاد وأفسدوا فيها وهو الذين قَتَّلوا الآمنين وروعوهم، فمن مشى على نهج محمد ﷺ اهتدى ومن اقتدى به نجى يوم الدين ومن اقتفى أثره أفلح وسعد في الدنيا والآخرة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين….