الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الأمرُ بالمعروف والنَّهْيُ عن المنْكَر

 

قال تعالى في سورة آل عمران ” كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ” 110

خص الله تبارك وتعالى أمة محمد صلى الله عليه وسلم بمزايا عظيمة وفضلها على الأمم وذكرها بالمدح في القرآن الكريم في كثير من المواضع ومنها هذه الآية التي تبين فضلَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودرجة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وخصوصا أنهم ذُكِروا بالمدح في كتاب الله تعالى ، وهي صفة الصالحين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم الماشين على دربه ونهجه صلى الله عليه وسلم ، فهو كان أمَّارًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر صلى الله عليه وسلم وعلى هذا مشى بعده أصحابه رضي الله عنهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين ، وعلى خطاهم سار أئمة الدين رضي الله عنهم أمثال أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمدَ بنِ حنبل .

وقد توعد الله تعالى الذين يقصرون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الاستطاعة على ذلك وهذا ما حصل مع بعض بني إسرائيل فقد قال تعالى في سورة المائدة في الآية 78 : ” لُعِنَ الذينَ كَفَرُوا من بني إسرائيلَ على لسانِ دَاوُدَ وعيسَى ابنِ مريمَ ، ذلكَ بما عَصَوْا وكَانوا يَعْتَدُون . كانوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ، لبئسَ ما كانوا يفعلُون ” ، قال النسفي في تفسيره قيل: إن أهل أيلة لما اعتدوا في السبت فقال داود عليه الصلاة والسلام : اللهم العنهم واجعلهم آية فمسخوا قردة ، ولما كفر أصحاب عيسى بعد المائدة قال عيسى عليه الصلاة والسلام : اللهم عذب من كفر بعدما أكل من المائدة عذابًا لم تعذبه أحدًا من العالمين والعنهم كما لعنت أصحاب السبت فأصبحوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل {ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وكَانُوا يَعْتَدُونَ} ذلك اللعن بعصيانهم واعتدائهم ثم فسر المعصية والاعتداء بقوله {كَانُوا لا يَتَنَـاهَوْنَ}  لا ينهى بعضهم بعضاً {عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ } أي عن قبيح فعلوه ، أو المراد لا ينتهون عن منكر فعلوه بل يصرون عليه ، {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} وفيه دليل على أن ترك النهي عن المنكر من العظائم فيا حسرة على المسلمين في إعراضهم عنه .

فهؤلاء لُعِنوا على ألسن الأنبياء لأنهم ما كانوا يتناهون عن المنكر الذي يفعلونه بل كانوا يصرون عليه ، وهذا يبين عظيم إثم تارك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الاستطاعة على ذلك .

واعلم أنه يجبُ تركُ جميعِ الْمُحَرَّمَاتِ التي حرمها الشرع صغيرِها وكبيرها ونهيُ مُرْتَكِبهَا عن ارتكابها ومَنْعُهُ من ذلك قَهْرًا إنْ قَدَرَ عليهِ وإلَّا وَجَبَ عليه أي على الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر أنْ يُنْكِرَ ذلكَ بقلبهِ وذلكَ أي الإنكاار بالقلب أضعفُ الإيمانِ أي أَقَلُّ ما يَلْزَمُ المرءَ عندَ العَجْزِ عن الإنكارِ باليَدِ واللِّسَانِ .

فقد قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم :” مَنْ رَأَى منكم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيدِه فإنْ لم يستطعْ فبلسانهِ فإنْ لم يستطعْ فبقلبهِ وذلكَ أضعفُ الإيمان ” رواه مسلمٌ في (صحيحه) ، ومعنى “رأى ” في الحديث الشريف عَلِمَ بالمنكر .

والشَّرْطُ في جوازِ إنكارِ المنْكَرِ أنْ لا يُؤَدِّيَ الإنكارُ إلى مُنْكَرٍ أعظمَ من ذلك المنْكَرِ وإلَّا فلا يجوزُ لأنه يكونُ عُدُولًا وانتقالا من الفسادِ إلى الأفسد ، وهذا معنى قولنا :” وإلَّا وَجَبَ عليه أنْ يُنْكِرَ ذلك بقلبه ” .

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية على المستطيع بمعنى أنه لو حصل منكر في مكان ما أما جمع من الناس فقام بعضهم فأنكر هذا المنكر سقط الفرض عن الباقين وإذا سكتوا كلهم أثموا جميعا والعياذ بالله تعالى .

وقد يسىء لبعض فهم بعض الآيات في كتاب الله تعالى كقوله تعالى في سورة المائدة في الآية 105 (( يا أيها الذينَ ءامنوا عليكم أنفسَكم لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذا اهتديتُم )) ، وليسَ معنى الآيةِ الرُّخْصَةَ لنا بتركِ النَّهْيِ عن المُنْكَرِ إذا كُنَّا نحنُ نتَجَنَّبُ هذا المُنْكَرَ . كيفَ يَصِحُّ هذا الفَهْمُ وإنكارُ المُنْكَرِ فرضُ كفايةٍ بإجماعِ علماء الإسلامِ للحديثِ الصَّحيحِ الذي رواه الإمامُ مسلم :” مَنْ رَأَى منكم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيدِه ” إلى ءاخرِ الحديث . فقد روى الإمامُ أحمدُ في (مسندِه) من حديثِ أبي بكرٍ الصِّدِّيق ، رضيَ الله عنه ، أنه قال :” إنَّ الناسَ يقرأُونَ هذه الآيةَ ويضعونهَا في غيرِ موضِعها . وإني سمعتُ رسولَ الله يقول :” إنَّ النَّاسَ إذا رَأَوُا المُنْكَرَ ولم يأخذوا على يَدَيْ مَنْ يفعلُه أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ الله بعقابٍ منه قبلَ أَنْ يموتوا ” ، و الحاصلُ أنَّ الآيةَ معناها : أنتم ، أيها المؤمنونَ ، اعملوا بطاعةِ الله تعالى ، إفعلوا ما أَمَرَكُمُ الله به وكُفُّوا عمَّا نهاكم عنه ، فإنَّكُمْ إنْ فعلتُم ذلكَ فلا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ .. هذا معنى الآية ..

وقد روى الترمذي وأبو داوود عن أبي أُمَيِّةَ الشَّعْبَانِيِّ ، قال: أَتيْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ تَصْنَعُ في هَذِهِ الآيَةِ؟ قال: أَيَّةُ آيَةٍ؟ قُلْتُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكَمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} قال: «أَمَا والله لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيراً، سَأَلْتُ عَنْهَا رسولَ الله فقال: «بَلْ ائْتَمِرُوا بِالمَعْرُوفِ، وَتَنَاهَوْا عَنِ المُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعاً، وَهَوًى مُتَّبَعاً، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعِ الْعَوَامَّ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّاماً الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ، لِلعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلاً يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ». قال عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ: وَزَادَني غيرُ عُتْبَةَ قِيلَ: يَا رَسُولَ الله أجْرُ خَمْسِينَ رَجُلاً مِنَّا أوْ مِنْهُمْ؟ قال: «لاَ، بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلاً مِنْكُمْ» .

وقد قال الإمام «أبو عليّ الدَّقَّاق» الحَسن بن عليّ بن محمّد، أبو عليّ الأستاذ الدَّقّاق الزاهد النيسابُوريّ. شيخ أبي القاسم القُشَيري الذي توفي في ذي الحجّة سنة ستّ وأربعمائة ، قال:” السَّاكتُ عن الحَقِّ شيطانٌ أَخرس”.