الموت

 الموت .. يوم الوداع لهذه الدنيا

الحمد لله الذي قصم بالموت رقاب الجبابرة، وكسر به ظهور الأكاسرة، وقصر به آمال القياصرة، الذين لم تزل قلوبهم عن ذكر الموت نافرة، حتى جاءهم الوعد الحق فأرداهم في الحافرة ، فنقلوا من القصور إلى القبور ، ومن ضياء المهود إلى ظلمة اللحود ، ومن ملاعبة الجواري والغلمان إلى مقاساة الهوام والديدان، ومن التمتع بالطعام والشراب إلى التمرغ في التراب، ومن أُنس العشرة إلى وحشة الوحدة، فانظروا وتأملوا رحمكم لله، هل وجدوا من الموت عزا وحصنا، أم اتخذوا من دونه حجابا وحرزا، فسبحان من انفرد بالقهر و الاستيلاء، واستأثر باستحقاق البقاء من جعل الموت مخلصا للأتقياء، وموعدا في حقهم للقاء، وجعل القبر سجنا للأشقياء وحبسا ضيقا عليهم إلى يوم الفصل والقضاء، وأصلي وأسلم على سيد الأنبياء وأعظم الشفعاء، سيدنا محمد أبي القاسم والزهراء، وعلى صاحبه أبي بكر رفيقهِ في السرّاء والضرّاء، وعلى عمر الذي كان يخشى ربّه في العلن وفي الخفاء، وعلى عثمان الذي كانت تستحي منه الملائكة الكرماء، وعلى عليٍّ الذي استقى من علمه العلماء.

السُنَّةُ ماضية ……. أناس تحيا وأناس تموت، وأكثر الناس عن الموت غافلون..

من أجل هذا جعلتُ الحديث عن الموت وعظاته، جعلت الحديث عن الخَطب الأفظع…. إنه هادم اللذات، وقاطع الراحات، إنه فراق الأحباب، وانقطاع الأسباب، ومواجهة الحساب..

نصحنا نبينا ووعظنا وأبلغ، فقال صلى الله عليه وسلم: “أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَادِمَ اللَّذَّاتِ” رواه أحمد والترمذي. فذكر الموت حياة، ونسيانه غفلة.. ومن استحيا من الله حقَّ الحياء لم يغفل عن الموت ولا عن الاستعداد للموت..

قال صلى الله عليه وسلم: “مَنْ اسْتَحْيَا مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ فَلْيَحْفَظِ الرَأسَ وَمَا وَعَى، وَليَحْفَظِ البَطْنَ وَمَا حَوَى، وَليَذْكُرِ المَوْتَ وَالبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِيْنَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ” رواه الترمذي.

وما ترك النبي صلى الله عليه وسلم فُرصَةً إلا ذَكَّر أصحابه بالموت وما بعده..

يقول البراء بن عازب رضي الله عنه: بينما نحن مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ أبصر جماعة فقال: “عَلَامَ اجْتَمَعَ هَؤلَاءِ؟” قيل: عَلَى قَبْرٍ يَحْفُرُونَهُ، قالَ: فَفَزِعَ النَبِيُّ صَلَى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَقَامَ مِنْ بَيْنِ يَدَي أَصْحَابِهِ مُسْرِعًا حَتَى انْتَهَى إِلَى القَبْرِ فَجَثَا عَلَيْهِ.. قالَ البَرَاءُ: فَاسْتَقْبَلْتُهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ لأنْظُرَ مَا يَصْنَعُ، قَالَ: فَبَكَى حَتَى بَلَّ الثَرى مِنْ دُمُوْعِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ: “أَيْ أخْوَانِي لِمِثْلِ هَذَا اليَوْم فَأَعِدُوْا، لِمِثْلِ هَذَا اليَوْم فَأَعِدُوْا”

وهكذا سار السلف من بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم يذكرون الموت ويُذكّرون الناس به.. فهذا أويس القرني رحمه الله يخاطب أهل الكوفة قائلا: “يا أهل الكوفة توسدوا الموت إذا نمتم، واجعلوه نصب أعينكم إذا قمتم”.

 إنَّ في ذكر الموت أعظم الأثر في إيقاظ النفوس وانتشالها من غفلتها، فكان الموت أعظم المواعظ..وقد قيل لبعض الزهَّاد: ” ما أبلغ العظات؟ قال: النظر إلى محلة الأموات “

وقال ءاخر: “من لم يردعه القرءان والموت.. فلو تناطحت الجبال بين يديه لم يرتدع”

وإنَّ زيارة القبور، وشهودالجنائز، ورؤية المحتضرين، وتأمل سكرات الموت، وصورة الميت بعد مماته، يقطع على النفوس لذاتها، ويطرد عن القلوب مسراتها……ومن استعدَّ للموت جدَّ في العمل، وقصَّر الأمل..

روي أن رجلا قال: “رأيت أحد الصالحين في حياته يُخرج ورقة يقرؤها دائمًا، فلما مات نظرت في الورقة فإذا مكتوب فيها: “أَحسِنْ عَمَلَكَ فقد دَنَا أَجَلُكَ”

إنَّ الذي يعيش مترقبًا للنهاية يعيش مستعدًا لها، فَيَقِلُّ عند الموت ندمه وحسراته، لذا قال أحد الصالحين: “استعد إذا جاءك الموت أن لا تصيح بأعلى الصوت تطلب الرجعة فلا يستجاب لك”

أردت من هذه الموعظة إيقاذ القلوب.. إيقاذ القلوب من سباتها، وزجر النفوس عن التمادي في غيها وشهواتها، أردت من هذه الموعظة أن يزيد الصالح في صلاحه، وأن يستيقظ الغافل قبل حسرته وقبل مماته، لقد رأيت الحياة تمضي مسرعة ومعظم أهلها في غفلة.. ناس يأتون وءاخرون يرحلون… والناس غافلون ولا يستيقظون إلا عند معاينة الموت وسكراته.

 وستأتي النهاية حتمًا..سيموت الصالحون، والطالحون.. ويموت المتقون، والمذنبون.. ويموت الأبطال العاملون، والجبناء القاعدون.. ويموت الشرفاء الذين يعيشون للآخرة، ويموت الحريصون الذين يعيشون لحطام ومتاع الحياة.. يموت أصحاب الهمم العالية، ويموت التافهون الذين لا يعيشون إلا من أجل شهوات الفروج والبطون.

قال الله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ}، وقال سبحانه: { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَاْزَ وَمَاْ الحَيَاْةُ الدُّنْيَاْ إِلاَّ مَتَاْعُ الغُرُورِ } { يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاْ تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأنتُمْ مُسلِمُونَ }

وقال سبحانه: { يَآ أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِن نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَآءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُم رَقِيبا }

وقال عز وجل: { يَآ أَيَّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَ قُولُواْ قَولا سَدِيدًا ، يُصلِحْ لَكُم أَعْمَالَكُم وَ يَغْفِرْ لِكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ مَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيِمًا }

ستموت.. نعم ستموت.. إنها الحقيقة التي نهرب منها دائمًا.. إنها الحقيقة التي يسقط عندها جبروت المتجبرين، وعناد الملحدين، وطغيان البغاة الظالمين…. إنها الحقيقة التي شرب من كأسها العصاة والطائعون، وشرب من كأسها الأنبياء والمرسلون.. قال الله تعالى: {وَمَاْ جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الخُلْدَ أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ الخَاْلِدُونَ} والله جلَّ شأنه يقول: {كُلُّ شَىءءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} قال البخاري: معنى {إِلاَّ وَجْهَهُ} أي: “إلا مُلكه”

إنها الحقيقة التي لا مفرَّ منها ولا مهرب طال الزمان أو قصر ، قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلِى عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} وقال سبحانه: { أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } سورة النساء.

فيا أيها القوي.. ويا أيها الفتيّ.. يا أيها الغني ويا أيها الفقير …. يا أيها الكبير والصغير…. كل باكٍ منكم سيُبكى، وكل ناعٍ سيُنعى، فاعلموا رحمكم الله أنه من عاش منكم مات، ومن مات فات، وكل ما هو ءاتٍ ءات، قال تعالى: {مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لآتٍ}

إنَّ حياتك إنما تبدأ بعد مماتك..

ولدتك أمك يا ابن ءادم باكيًا  *** والناس حولك يضحكون سرورًا

فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا *** في يوم موتك ضاحكًا مسرورًا

فاعلموا بارك الله فيك، أن لا سبيل للخلود في هذه الحياة.. فالكل سيموت، ولو أنَّ أحدًا يجد إلى البقاء سُلَّمًا أو لِدَفع الموت سبيلا، لكان ذلك سليمان عليه السلام الذي سُخرَّ له مُلك الجنّ والإنس مع النبوة، فلما استكمل أجله ومدته جاءه الموت، فأصبحت الديار منه خالية والمساكن معطلة.

إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَة.. أعظكم بالموت وسكراته.. أعظكم بالقبر وظلماته..أعظكم بالموت وكفى بالموت واعظًا.. إنه من أعظم المصائب، وأشدِّ النوائب.. سمَّاه الله لعظيم أمره مصيبة، فقال سبحانه: {إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ المَوْتِ} سورة المائدة، ولا نجاة منه إلا أن يكون العبد في دنياه لله طائعًا، وبشرعه عاملا.. إنها الساعة التي تنكشف فيها الحقائق، وتتقطع فيها العلائق، ويتمنى الإنسان وليس له ما تمنى حينها كما قال ربنا: { يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ  وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي} سورة الفجر.

إنها الساعة التي يُعرف فيها المصير، إما إلى نعيم دائم أو  إلى عذاب مقيم……. إنه الموت.. أعظم المواعظ وأبلغها، وهو أول خطوة إلى الآخرة، قال صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنازِلِ الآخِرَةِ فَإِنْ نَجا مِنْهُ فَما بَعْدَهُ أَيَسَرُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَما بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ”

يقول الله تعالى: “اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون” ءال عمران، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى وأن يشكر فلا يُكفر” وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن التقوى: “التقوى: هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والإستعداد ليوم الرحيل” فتجهزوا ليوم الرحيل واتقوا الله الجليل.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحابته الطيبين الطاهرين