خطبة الجمعة : أهمية الفتوى

أهمية الفتوى

الحمدُ للهِ الذِي جعلَ العلمَ للعلماءِ نسبًا، وأغناهُم بهِ وإنْ عَدِموا مالًا ومنصبًا، ولطلبِهِ قام موسى وفتاهُ وانتصبا، فسارا إلى أنْ لقيَا مِنْ سفرِهِما نصبًا، أحمدُه تعالَى على عظيمِ نِعَمِهِ التِي لَا تُحصَى عددًا، وأصلِّي وأسلمُ علَى رسولِهِ محمدٍ أشرفِ الخلائقِ عَجَمًا وعَرَبًا، وأزكَى البريةِ خلقًا وخُلُقًا، وعلَى آلهِ وأصحابِهِ أولِي الفضلِ والوفَا، ومَنْ سارَ علَى دربِهِم واقتَفَى إلَى يومِ اللقَا، أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ فإنِّي أوصيكُم ونفسيَ بتقوَى اللهِ العظيمِ فاتقوهُ، عبادَ اللهِ: خَلَقَ اللهُ تعالَى الناسَ علَى الفِطْرَةِ وأرشَدَهُم إلَى سُبُلِ الهدايةِ والصلاحِ، ودَلَّهُم على عظَمَتِهِ وقدرَتِه، وبعثَ لَهُم الأنبياءَ والرُّسُلَ لإخراجِهِم مِنْ ظلماتِ الجهلِ والمعصيةِ إلَى نورِ العلمِ والطاعةِ، ومِنْ ضيقِ الدنيَا إلى سَعَةِ الدنيَا والآخرةِ، وكانَ أولَ مَا نزلَ مِنَ القرآنِ الكريمِ قولُهُ تعالَى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ العلق: 1، فالدِّينُ قائمٌ علَى العلمِ والتعلمِ والفهمِ لأوامرِ اللهِ سبحانَهُ وتعالَى، وقدْ كانَ الصحابةُ رضيَ اللهُ عنهُم حريصينَ علَى تعلُّمِ أمورِ دينِهِم فيسألونَ النبيَّ ﷺ عمَّا يَعْرِضُ لَهُم مِنْ مسائلَ فتَنْزِلُ الآياتُ، وقدْ تولَّى نبيُّنَا محمدٌ ﷺ أمرَ تبليغِ الدعوةِ وإرشادِ الناسِ وهدايَتِهِم وتِبْيَانِ الأحكامِ الشرعيةِ لَهُمْ، فكانَ يفتِي الصحابةَ ويعلِّمُهُم أمورَ دينِهِم مِنَ الحلالِ والحرامِ وسائرِ أحكامِ الشريعةِ، وبعدَ وفاتِهِ ﷺ، تصدَّى لهذهِ المهمَّةِ الجليلةِ العلماءُ مِنَ الصحابةِ والتابعينَ وتابعيهِم مِنَ العلماءِ أصحابِ الاجتهادِ والرأيِ الذينَ حمَلُوا ميراثَ النبوةِ واستَكْمَلُوا حفظَ أمانةِ العلمِ والدينِ عن نبيِّهِم ﷺ، فقالَ ﷺ: «إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» سنن أبي داود، فالعلماءُ همْ ورثةُ الأنبياءِ، يبيِّنُونَ للناسِ الحقَّ، ويرشدُونَهم إلَى طريقِ الخيرِ وسبلِ السلامِ، ويبصرونَهم بالحلالِ والحرامِ، وإذا فُقِدَ العلماءُ بحيثُ لَا يجدُ الناسُ مَنْ يُعَلِّمُهم أحكامَ دينِهم فِي عباداتِهم ومعاملاتِهم وشؤونِهم، سادَ الجهل وتخبَّطَ الناسُ فِي الضلالِ فيحلُّونَ الحرامَ ويحرِّمُونَ الحلالَ، ويرتكبونَ المعاصي، ويعمَلونَ السيئاتِ، ويسيرونَ وَفقَ أهوائِهِم، فيقعُ الخللُ بعباداتِهم ومعاملاتِهم.

عبادَ اللهِ لا بدَّ للناسِ فِي كلِّ الأزمانِ مِنْ وجودِ العلماءِ الحكماءِ الذينَ يُفتُونَ الناسَ فِي المسائلِ والتِي لَا بدَّ مِنْ معرفةِ حلالِهَا مِنْ حرامِها، لقولِه تعالَى: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ النحل: 43. فالفتوَى شأنُها عظيمٌ، يُسألُ عنها مَنْ تَحَمَّلَها يومَ القيامةِ، فلابدَّ للمتصدِّرِ لَهَا أنْ تَتَحَقَّقَ فيهِ الأهليةُ الشرعيةُ.

ولأهميةِ الفتوَى ودقةِ مسؤوليَّتِها عُنِيَ الفقهاءُ بموضوعِهَا عنايةً بالغةً فكانَ السَّلَفُ رضيَ اللهُ عنهُم يَتَدافَعُونَ الفَتوَى، كُلٌّ منهُم يُحيلُهَا إلَى صاحِبِهِ، وكانُوا يَتَهَيَّبُونَهَا أشدَّ الهيبةِ، ويَتَرَيَّثُونَ قبلَ الجوابِ طلبًا للسلامةِ، فقدْ رُوِيَ عَنْ عبدِ الرَّحْمَن بْنِ أبِي ليلَى قَالَ: أدركتُ عشْرينَ ومِئَةً مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يُسألُ أحدُهُم عَنِ الْمَسْأَلَةِ فيرُدُّهَا هَذَا إِلَى هَذَا وَهَذَا إِلَى هَذَا حَتَّى ترجعَ إِلَى الأولِ. وَسُئِلَ الإمامُ مالكٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ لَا أَدْرِي فَقيلَ هِيَ مَسْأَلَةٌ خَفِيفَةٌ سهلةٌ فَغَضبَ وَقَالَ لَيْسَ فِي الْعلمِ شَيْءٌ خَفِيفٌ. ونحنُ نجدُ الكثيرَ مِنَ الناسِ اليومَ يتصدَّرُونَ لأمرِ الفتوَى فِي أدقِّ المسائلِ دونَ أنْ يكونَ لَهُم أدنَى نظرٍ، أوْ معرفةٍ بالأحكامِ الشرعيةِ وقواعدِهَا، وروِيَ ” أَنَّهُ دَخَلَ رجلٌ عَلَى رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ –شيخِ الإمامِ مالكٍ- فَوَجَدَهُ يَبْكِي، فَقَالَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ وَارْتَاعَ لِبُكَائِهِ فَقَالَ لَهُ: أَمُصِيبَةٌ دَخَلَتْ عَلَيْكَ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنِ اسْتُفْتِيَ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ وَظَهَرَ فِي الْإِسْلَامِ أَمْرٌ عَظِيمٌ”. فالتجرؤُ علَى الفتوَى بغيرِ علمٍ يشكلُ خطرًا علَى الدينِ والأمةِ والمجتمعِ، لأنَّهُ افتراءٌ علَى اللهِ تعالَى وعلَى شريعتِه السمحةِ، وقدْ قالَ تعالَى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ لَا تقلْ قولًا بغيرِ علمٍ لأنَّ مِنْ معاصي اللسانِ التِي هيَ مِنَ الكبائرِ أنْ يُفتِيَ الشخصُ بفتوى بغيرِ علمٍ، وقدْ أخرَجَ أبو داودَ قصةَ الرجلِ الذِي كانتْ برأسِهِ شجَّةٌ (أيْ كانَ برأسِهِ جرحٌ) فأجْنَبَ فِي ليلةٍ باردةٍ (أيْ وَجَبَ عليهِ الاغتسالُ فِي ليلةٍ باردةٍ) فاستَفْتَى مَنْ مَعَهُ (وكانوا لَيْسُوا أهلًا للسؤالِ) فقالُوا لهُ: اغتَسِلْ، فاغْتَسَلَ فماتَ فأُخْبِرَ رسولُ اللهِ ﷺ فقالَ: “قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللهُ، أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا، فَإِنَّمَا شِفَاءُ العِيِّ السُّؤَالُ”. أيْ شفاءُ الجهلِ السؤالُ. وقالَ ﷺ: “إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيْهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ“. وَقَدْ قَالَ ﷺ: “مَنْ أَفْتَى بِغَيْرِ عِلْمٍ لَعَنَتْهُ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ” رواهُ السيوطيُّ. اللهمَّ فقِّهْنا في دينِنَا وعلّمْنا ما يَنْفَعُنا وانْفَعْنا بِمَا عَلَّمْتَنَا وزِدْنا عِلْمًا يا ربَّ العالمينَ. هذا وأَسْتَغْفِرُ الله لي ولَكُم.

الخطبةُ الثانيةُ: إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُهُ ونستعينهُ ونستغفرهُ ونستهديهِ ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسنَا ومِنْ سيئاتِ أعمالنَا عبادَ اللهِ أوصيكمْ بتقوى اللهِ العليِّ العظيمِ وطاعتِهِ وأحذركم ونفسيَ مِنْ عصيانِهِ ومخالفةِ أمرِهِ وأصلي وأسلمُ على سيدِنَا محمدٍ وءالِهِ وصحبِهِ: أمَّا بعدُ: إخوةَ الإيمانِ: لَا بدَّ للمسلمِ أنْ يحذَرَ مِنَ الفتاوَى الفاسدةِ التِي تخالِفُ الإجماعَ، فكَمْ مِنَ الناسِ يُهْلِكُونَ أنفُسَهم، ويُهْلِكُونَ غيرَهُم، بسببِ الفتوَى بغيرِ علمٍ، وإنَّ للفتوَى أثرًا فِي حفظِ أمنِ المجتمعِ واستقرارِهِ إذَا كانتْ موافقةً للشريعةِ السمحاءِ فدينُ اللهِ دينُ توسُّطٍ واعتدالٍ وليسَ دينَ غلوٍّ وإفراطٍ وتفريطٍ. فكمْ مِنَ الفتاوَى كانَ فيهَا إباحةُ قتلِ الأبرياءِ وإراقةُ دمائِهِمْ والتعدِّي علَى أموالِهِم والعياذُ باللهِ، وكانتْ مِنْ أشخاصٍ يَتَزَيَّوْنَ بزِيِّ أهلِ العلمِ، فينبغِي علَى المسلمِ أنْ يحتَاطَ لدينِهِ، فيسألَ مَنْ يَثِقُ بدينِهِ وعلمِهِ فإنَّ الأمرَ دينٌ، وقدْ قالَ محمدُ بنُ سيرينِ: «إنَّ هذَا العلمَ دينٌ فانظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذونَ دينَكُم»، صحيح مسلم.

عِبادَ اللهِ إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قد أمركم بأمرٍ عظيمٍ قد أمركم بالصلاةِ على نبيِّهِ الكريمِ فقالَ {إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} لبيكَ اللهمّ صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم اجعلنا من عبادك المحسنين، وجنبنا الفتن والآثام والشرور، اللهمّ عليكَ بمنْ يكيدُونَ للإسلامِ والمسلمينَ اللهمّ خذهُمْ أخذَ عزيزٍ مقتدرٍ اللهمّ أَرِحِ البلادَ والعبادَ مِن شرِّ أعداءِ الدينِ، اللهم فرج كرب المسلمينَ في كلِّ مكانٍ وثبتهم وانصرنا على من عادانا، اللهم فرج الكرب عن الأقصى يا ربَ العالمين، اللهمّ اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ . ربنَا آتِنَا في الدنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً وقنَا عذابَ النارِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ ولذكرُ اللهِ أكبرُ واللهُ يعلمُ ما تصنعونَ وأقمِ الصلاةَ .