خطبة الجمعة : فلسطين أرضٌ إسلامية

فِلَسْطِيْنُ أَرْضٌ إِسْلَامِيَّةٌ مُبَارَكَةٌ

الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لا وَاضِعَ لِمَا رَفَعَ، وَلا رَافِعَ لِمَا وَضَعَ، وَلا وَاصِلَ لِمَا قَطَعَ وَلا مُفَرِّقَ لِمَا جَمَعَ، سُبْحَانَهُ مِنْ مُقَدِّرِ ضُرٍّ وَنَفْعٍ، وَحَكَمَ فَالْكُلُّ حُكْمُهُ كَيْفَ وَقَعَ، وَوَهَبَ مَنْ شَاءَ وَمَنْ شَاءَ قَطَعَ، مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ قَنِعَ، وَمَنِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ بِالكُفْرِ وَقَعَ، أَحْمَدُهُ عَلَى مَا أَعْطَى وَمَنَعَ، وَأَشْهَدُ بِأَنَّهُ وَاحِدٌ أَحْكَمَ مَا صَنَعَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ جَاهَدَ فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ وَعَلَا نُوْرُ دَعْوَتِهِ وَسَطَعَ، ﷺ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ لِنَهْجِهِ اتَّبَعَ، صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مَا كَبَّرَ مُكَبِّرٌ وَعَلَا صَوْتُهُ وَارْتَفَعَ، أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ فإنِّي أوصيكُمْ ونفسيَ بتقوى اللهِ العليِّ العظيمِ القائلِ في سورةِ القَصصِ: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ إخوةَ الإيمانِ لقدِ اختارَ اللهُ عزَّ وجلَّ مكةَ المكرمةَ لتكونَ أفضلَ بقاعِ الأرضِ وفيها الكعبةُ المشرفةُ التي بناها آدمُ عليهِ السلامُ الذِي جاءَ بالإسلامِ والتوحيدِ كباقي الأنبياءِ وهي أولُّ مسجدٍ يُعبَدُ اللهُ فيهِ على وجهِ الأرضِ، ثمَّ بعدَه بأربعينَ سنةً بُنِيَ المسجدُ الأقصى المباركُ، فقدْ روَى البخاريُّ عنْ أَبي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنه قال: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ أَوَّلَ؟ قَالَ: المَسْجِدُ الحَرَامُ. قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: المَسْجِدُ الأَقْصَى. قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ بَعْدُ فَصَلِّ، فَإِنَّ الفَضْلَ فِيهِ»، إخوةَ الإيمانِ إنَّ لأرضِ فلسطينَ مكانةً فِي قلبِ أيِّ مسلمٍ علَى وجهِ الأرضِ وإنَّ الكلماتِ تعجِزُ عنْ تمامِ الإفصاحِ في ذكرِ هذهِ المكانةِ، لماذَا؟ لأنَّ لفلسطينَ محلًّا فِي قلوبِنَا وفِي قلوبِ الأنبياءِ وفِي قلوبِ الأولياءِ والشهداءِ والصالحينَ مِنْ هذهِ الأمةِ ومِمَّنْ قبلَهَا مِنَ الأممِ، وفيهَا أحدُ أعظمِ المساجدِ في الإسلامِ والذِي حثَّنا الشرعُ على شدِّ الرحالِ إليهِ، فقدْ روَى البخاريُّ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَالمَسْجِدِ الأَقْصَى، وَمَسْجِدِي هَذَا»، ومعناهُ أنَّ هذَا الحديثَ مخصوصٌ بالمساجدِ الثلاثةِ أيْ لَا مزيَّةَ فِي السفرِ إلَى مسجدٍ للصلاةِ فيهِ إلَّا فِي السفرِ إلَى هذهِ المساجدِ الثلاثةِ لأنَّ تلكَ المضاعفةَ خاصةٌ بهَا.

إخوةَ الإيمانِ روَى البخاريُّ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ». وقد وعدَ اللهُ الثابتَ على الحقِّ بالتمكينِ والنصرِ فقالَ: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ وها هيَ بلادُ الشامِ عمومًا وأرضُ فلسطينَ خصوصًا كانتْ وما تزالُ محلًّا للجهادِ والرباطِ وكانتْ لأكثرِ أنبياءِ اللهِ عزَّ وجلَّ مسكنًا وأكثرُ الوحيِ نزلَ بهَا فهيَ أرضُ الرسالاتِ ومسكنُ الأنبياءِ وهيَ منتهى إسراءِ نبيِّنا ﷺ ومبتدأُ معراجِه.

إخوةَ الإيمانِ إنَّ أرضَ فلسطينَ أرضٌ إسلاميةٌ عربيةٌ مباركةٌ وعلى هذَا ينبغي أنْ نربيَ الأجيالَ القادمةَ، ولقدْ مثَّلتْ على امتدادِ عصورِ الحكمِ الإسلاميِّ لَهَا حالةً فريدةً ومشرقةً مِنَ الخيرِ والبركاتِ، وكانتْ أرضًا للرباطِ والجهادِ في سبيلِ اللهِ عزَّ وجلَّ فتحققتِ البطولاتُ العظيمةُ على أرضِها ونزفتْ دماءُ الجرحى على أرضِها وكانتْ مستودعًا لأجسادِ كثيرٍ مِنَ الأنبياءِ والشهداءِ، فمَنْ يشكُّ بعدَ ذلكَ في بركتها، إخوةَ الإيمانِ إنَّنا إذ نقلِّبُ صفحاتِ المجدِ المشرقةَ نرَى في فلسطينَ العزةَ والإباءَ والجهادَ والرباطَ ابتداءً مِنَ الفاروقِ عمرَ بنِ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ، ومرورًا بالسلطانِ الناصرِ صلاحِ الدينِ الأيوبيِّ رحمَه اللهُ تعالَى.

 وإنَّ أرضَ فلسطينَ اليومَ تتعرَّضُ لهجَمَاتٍ تستهدِفُ عروبَتها فقدْ سُلِبَتِ الأراضي، وسُفكَتِ الدماءُ، واعتديَ على الأعراضِ ولذلكَ كانَ الدفاعُ عنِ المسجدِ الأقصى وصمودُ أهلِ فلسطينَ ودفاعُهم عنِ المقدساتِ الإسلاميةِ والرباطُ فيهِ والذبُّ عن حياضِه دفاعًا عن شرفِ الأمةِ وعقيدِتها، وإنَّ لهذا أجرًا عظيمًا في الإسلامِ فقد قالَ رسُول اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ على عَملِهِ إلَّا المُرابِطَ في سَبيلِ اللَّهِ، فَإنَّهُ يُنَمَّى لهُ عَمَلُهُ إلى يوْمِ القِيامَةِ، ويُؤمَّنُ فِتْنةَ القَبرِ» رواه أبو داودَ.

اللهم إنَّا نسألُكَ أنْ تحفَظَ القدسَ الشريفَ والمسجدَ الأقصَى مِنْ كيدِ اليهودِ الغاصبينَ. أقولُ قوليَ هذا وأستغفرُ اللهَ لي ولكمْ.

الخطبةُ الثانيةُ

إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُهُ ونستعينهُ ونستغفرهُ ونستهديهِ ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسنَا ومِنْ سيئاتِ أعمالنَا وأصلي وأسلمُ على سيدِنَا محمدٍ وءالِهِ وصحبِهِ عبادَ اللهِ أوصيكمْ بتقوى اللهِ العليِّ العظيمِ وطاعتِهِ وأحذركم ونفسيَ مِنْ عصيانِهِ ومخالفةِ أمرِهِ: أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ إنَّ مِمَّا يدلُّ علَى أنَّ للقدسِ مكانةً فِي الإسلامِ مَا روَاهُ مسلمٌ عنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ عنْ موسَى عليهِ السلامُ: “فسألَ اللهَ أنْ يُدنِيَهُ مِنَ الأرضِ المقدَّسةِ رميةً بحجَرٍ». قالَ الحافظُ النوويُّ: وأمَّا سؤالُهُ إلادناءَ مِنَ الأرضِ المقدسةِ فَلِشَرَفِهَا وفضيلَةِ مَنْ فيهَا مِنَ المدفونينَ مِنَ الأنبياءِ وغيرِهِمْ، وفِي هذَا استحبابُ الدفنِ فِي المواضعِ الفاضلةِ والمواطنِ المباركةِ والقربِ مِنْ مدافنِ الصالحينَ.اهـ

عِبادَ اللهِ إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قد أمركم بأمرٍ عظيمٍ قد أمركم بالصلاةِ على نبيِّهِ الكريمِ فقالَ {إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللَّهُمَّ فكَّ المسجدَ الأقصى الشريفَ منَ اليهودِ الغاصبينَ. اللَّهُمَّ عليكَ باليهودِ المعتدينَ، اللَّهُمَّ زلزلِ الأرضَ تحتَ أقدامِهم وأرِنَا ذُلَّهُم يا ربَّ العالمينَ اللهمَّ مَكِّنِ المسلمينَ مِنْ تحريرِ القدسِ الشّريفِ وأرضِ فلسطينَ. اللَّهُمَّ لا تَرْفَعْ لليَهودِ في القدسِ رَايَةً وَلا تُحَقِّقْ لَهُم في فِلَسْطينَ غَايَةً يا رَبَّ العَالمينَ يا اللهُ اللَّهُمَّ أَغِثْ أهلَ القُدْسِ وأهلَ فِلَسْطِينَ، اللهمّ اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ . ربنَا آتِنَا في الدنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً وقنَا عذابَ النارِ وأدخلنَا الجنةَ معَ الأبرارِ برحمتكَ يا عزيزُ يا غفارُ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ ولذكرُ اللهِ أكبرُ واللهُ يعلمُ ما تصنعونَ وأقمِ الصلاةَ .