فضائل القرآن الكريم

فضائل القرآن الكريم

الحمدُ لله الذي أنزلَ على عبده الكتاب ولم يجعل لهُ عوجا، قيّما لِيُنذِرَ بأسا شديدا من لدُنه ويُبشرَ المؤمنين الذين يعملون الصالحات أنَّ لهم أجراً حسنا، ماكثين فيه أبدا، ويُنذرَ الذين قالوا اتخذَ الله ولدا، ما لهم به من علم ولا لآبائهم كَبُرَت كلمةً تخرجُ من أفواههم إن يقولون إلا كَذِبا، وأصلي وأسلم على رسول الهدى محمد أشرف الخلائق عجما وعربا، وأزكى البرية خلقا وخلقا، وعلى آله وصحبه أولي الفضل والوفا.

أما بعد، فقد أنعم الله تبارك وتعالى علينا بالقرآن العظيم ، الذي فيه نبأُ من قبلكم، وخبرُ ما بعدكم، وحكم ما بينكم، القرآن هو الفصلُ ليس بالهزل، من تَرَكَهُ تجبُّراً قصمهُ الله، ومن ابتغى الهدى في غير القرآن أضلّهُ الله، القرآن هو حبلُ اللهِ المتين، نورهُ المبين، القرآن هو الذكرُ الحكيم، القرآن هو الصراطُ المستقيم، وهو الذي لا تزيغُ بهِ الأهواء، ولا تلتبسُ بهِ الألسنةُ ولا تتشعّبُ معهُ الآراء، ولا يشبعُ منه العلماء، ولا يَمَلَّهُ الأتقياء، ولا تنقضي عجائبه، القرآن هو الذي لم تَنْتَهِ الجنّ إذ سَمِعَتْهُ أن قالوا إنا سمعنا قرءانا عجبا، من عَلِمَ عِلْمَهُ سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عَمِلَ به أُجِر، ومن دعا إليه هدى إلى صراطٍ مستقيم.

يقولُ الله تبارك وتعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون} [سورة آل عمران/103]، ففي هذه الآية يأمُرُنا الله تبارك وتعالى أن نتمسك بالقرآن الكريم، وأن نكون مع جمهورِ هذه الأمة، حيث قال الإمام القرطبي في كتابه الجامع لأحكام القرآن في تفسير هذه الآية: ” وفيها دليل على صحةِ الإجماع “.

عن فضائل القرآن يُروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: “من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة، ووقاه يوم القيامة من سوء الحساب، وذلك بأن الله تبارك وتعالى يقول: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى} [سورة طه/123]، فَضَمِنَ الله لمن اتبع القرآن ألا يَضَّلَّ في الدنيا ولا يَشقى في الآخرة.

ومن فضائل القرآن ما رواه مسلمٌ عن أبي هريرةَ رضيَ الله عنه قال: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ”

وعن فضائل القرآن روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لاَ أَقُولُ الْم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلاَمٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ”.

وعن عظيم فضل القرآن روى مسلم عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

” مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، مَثَلُ الْأُتْرُجَّةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ التَّمْرَةِ، لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ، لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ ”

ومن عظيم فضل القرآن وحفظه روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يقالُ لصاحبِ القرآن: اقرَأ وارتَقِ، ورتِّل كما كُنْتَ ترتِّل في الدُنيا، فإن منزِلَكَ عندَ آخرِ آية تقرؤها “

وعن فضل تعلم القرآن روى البخاري عن عثمان بن عفّان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ”.

 فلا يكفي مجردُ القراءة دون تلّقٍّ، لأنه لا يجوز لقارئ القرآن أن يلحن فيغير الحركات أو يخرج الحرف من غير مخرجه، أما الحديث الذي رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ، لَهُ أَجْرَانِ” فمعناه أن الذي تعلم القرءان فتلقّاهُ بطريقٍ صحيح، وصار يقرأ القرءان قراءةً صحيحة، ولكنه يجدُ مشقةً في إخراج الحروف من مخارجها، ومثال ذلك أنه بدل من أن يقرأ السورة بربع ساعة يقرؤها بنصف ساعة أو ساعة هذا له أجران، أما الماهر في قراءة القرآن فثوابه أكثر بكثير، كما حصل مع سيدنا أسيد بن حُضَير رضي الله عنه، فإنه كان لما يقرأ القرءان تتنزل الملائكة من السماء لقراءته، وكان الشافعي رضي الله عنه يقصده الناس لسماعِ قراءته لأنه كان لما يقرأ القرءان من عذوبة صوته الناس يبكون، وفيهم من يغشى عليه من خشية الله، لأن القراءة الصحيحة مع الصوت الحسن تساعدان على استحضار الخشوع .

وعن نائلة زوجة عثمان بن عفان رضي الله عنه قالت: “كان عثمان يقوم الليل فيختم القرآن كله بركعة ” وهذه كرامة له، لأنه كان وليا من أولياء الله الصالحين فبارك الله له في وقته، وهو القائل رضي الله عنه: “لو صَفَت قلوبُنا ما شبعنا من القرآن”.

فليس معنى حديث عائشة الذي ذكرناه ءانفا أن الذي يجد مشقة في قراءة القرآن من دون أن يتعلم قراءة القرآن فيخطئ يكون له أجران، أما إن تعلم ينقص أجره فيأخذ أجرا واحدا، هذا القول ظاهر البطلان، إنما الذي يَتَتَعْتَع في قراءةِ القرءان وله أجران هو من تعلم القراءة الصحيحة ولكنه يجد مشقة في قراءته وهو يتلو القرءان تلاوة صحيحة، وقد قال الله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولا}[سورة الإسراء/36]، لقد وعظك القرآنُ المجيد، يُبدي التذكارَ عليك ويُعيد، غير أن الاعتبار منك بعيد، ومع هذا فقد سبقَ العذابَ التهديد {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيد}[سورة ق/45]، إن في القرآن ما يُلينُ الجَلاميد، لو فهمَهُ الصخرُ كأنّ الصخرَ يَمِيدُ، كم أخبرك بإهلاكِ الملوكِ الصِّيد، وأعلمك أن الموتَ بالباب والوصيد {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيد}، إنّ مواعظَ القرآن تُذيبُ الحديد، وللفهوم كلَّ لحظةٍ زجرٌ جديد، وللقلوب النيّرة كلَّ يوم به عيد، غير أنّ الغافل يتلوه ولا يستفيد {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيد} نسألُ الله أن يرزُقنا تلاوة القرآن آناء الليل وأطراف النهار إنه على كل شئ قدير. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحبته الطيبين الطاهرين وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.