لغة أهل الجنّة

لغة أهل الجنّة

الحمد لله ربّ العالمين، الذي أنزل القرءان هدى للنّاس بلسان عربي مبين، والصلاة والسلام على من آتاه الله جوامع الكلم، وبدائع الحكم، وأضاء به عقد النبوة وخُتم، سيّدنا محمد طه الأمين، سيّد الفصحاء وإمام البلغاء، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين.

وبعد، فإنّ الله تعالى قد جعل أمّة سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم سيّدة الأمم وختامها، وجعل نبيها المصطفى سيّد الأنبياء والمرسلين وختامهم، وجعل شريعته خاتمة الشرائع، وكتابه القرءان الكريم خاتم الكتب السماوية الشريفة، فأنزله بلغةٍ هي سيّدة اللغات وأفضلها، وأغناها وأحلاها وأيسرها، فقال عزّ من قائل (إنّا أنزلناه قرءانًا عربيًا لعلّكم تعقلون) سورة يوسف/2، وقال جلّ شأنه (كتابٌ فصّلت ءاياته قرءانًا عربيًا لقومٍ يعلمون) سورة فصّلت/2، وقال تعالى (فإنّما يسّرناه بلسانك لعلّهم يتذكّرون) سورة الدّخان/58.

وقد قال الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وسلّم في بيان فضل اللغة العربية ورفعتها وأهميتها: “أحبّوا العرب لثلاث، لأنّي عربي، والقرءان عربي، وكلام أهل الجنّة عربي” رواه السيوطي والحاكم في المستدرك وصححه، وأورده بلفظ “ولسان أهل الجنّة عربي“.

فأي شرف وأي رفعة وأي مرتبة تلك التي نالتها لغتنا الجليلة الجميلة، لغتنا العربية!

أيها الأخوة المؤمنون: ليس يخفى على العاقل اللبيب أنّ التّمكّن من اللغة العربية وعلومها هو مفتاح مهم من مفاتيح فهم كتاب الله تعالى وسنّة رسوله المصطفى صلّى الله عليه وسلّم، ثمّ إنّ علوم اللغة العربية من نحوٍ وصرفٍ وبلاغةٍ وفقهِ لغةٍ واشتقاقٍ وغيرها، إنّما نشأت خدمة لعلوم الشّريعة الإسلامية، وصيانة للسان العربي من الانزلاق في اللحن في الألفاظ والمعاني، ففتح الله تعالى على الأئمة الأجلاء من لدن صحابة الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وعلى رأسهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه فهو الذي أشار على أبي الأسود الدؤلي بوضع قواعد اللغة العربية في علم النحو ، ما استنبطوه من قواعد وضوابط وأحكام ومسائل نشأت على إثرها تلك العلوم اللغوية الغراء، وكان ذلك مما رسّخ اللغة العربية في القلوب والأذهان، لا سيما عند الأمم الأعجمية التي دخلت شعوبها في دين الله أفواجًا، فتعلّقت بالإسلام وبلغة القرءان الكريم، بل إن كثيرًا من نوابغ الأئمة واللغويين كانوا ممن نشأوا في أقاليم غير عربية، فكم من نجم من نجوم العلماء لمع من بخارى وأصفهان ومرّو، وسمرقند وبيهق، وجرجان وخراسان، ونيسابور وزنجان، وهراة وخوارزم، وطبرستان وقزوين وغيرها من بلدان المسلمين التي كانت منارات للعلوم اللغوية والشرعية، وأن الواحد منّا إذا نظر في علوم الشريعة الإسلامية يجد مباشرة ذلك الارتباط المهم والأساسي بينها وبين علوم لغتنا العربية.

فدونكم علم التفسير الذي هو من أعظم العلوم وأجلّها فلا غنى لمن يدرسُه أو يدرّسه من أن يلمّ بعلوم النحو والصرف والبلاغة وكذلك علوم القرءان وتفسير الحديث الشريف، أمّا علم أصول الفقه فالنحو والصرف والبلاغة وفقه اللغة العربية كالقلب بالنسبة إليه، فبدونها لا يستقيم للناظر فيه فهم ولا تصوّر والشأن ذاته في علوم التوحيد والفقه والفِرَق فكثير من شُبه المخالفين في العقيدة قامت على ما تذرّعوا به من قوانين اللغة وأحكامها فتراهم يفسّرونها بحسب أهوائهم ويحرّفونها عن إطارها السليم، والتاريخ يذكر لنا من هؤلاء الكثير ،

فما كان من الأئمة الأعلام آنذاك إلا أن جرّدوا صارم العزم وقلم التحقيق والرّدّ المتين فبددوا غياهب تلك الشبه بساطع الدلائل والبراهين متّخذين من علوم لغة الضّاد ذخيرة علمية بقية ءاثارها إلى العصر الحديث شاهدة على ما حوته هذه اللغة من أسرا وخصائص لم يظفر بدررها إلا كلّ غواص صادق فتح الله على قلبه، جعلنا الله وإياكم منهم.

هذا، وقد تداعى أعداء العربية منذ نحو قرنين من الزمان لرميها بسهامهم بغية تشويهها والتحريض عليها والتشكيك فيها، لسلخ أبناء الأمة عنها ولبتر رابطة من أقوى الروابط بين المسلمين، العرب وغير العرب، فدعوا إلى نبذ الفصحى وهجرها والتمسّك باللهجات العامّية واللغات الأفرنجية وأفردوا المقالات التي تدعوا إلى ترك الحرف العربي وتنادي بالكتابة بالحروف اللاتينية، كما دعوا إلى ترك الوجه الأصيل لقواعد النحو والصرف والبلاغة، واستدعوا المسخ الدخيل من ترهات أرادوها قوالب لتنشئة أبناء الأمّة عليها بدعوى الالتحاق بركب الحضارة والتطور…

لكن تلك الموجات لم تلبث أن تلاشت عند أعتاب لغة الضّاد ليبقى وجهها الأصيل المشرق عنوانًا لحضارة أنارت الدنيا قرونًا متطاولة، وسيبقى كذلك سجلا لمآثر لا يحجبها ضجيج المشوشين ولا يعكر على صفاء مسيرتها غبار المرجفين والحاقدين نعم تلك هي لغتنا لغة القرءان الكريم التي نعتز بها ونتمسّك بها فهي الحافظة المحفوظة وقد قال الله تعالى (إنّا نحن نزّلنا الذّكر وإنّا له لحافظون) سورة الحجر/9، فهنيئًا لمن تمسّك بلغة القرءان ومضى يغرف من بحر علومها وفنونها الزاهرة الزاخرة.

فالجد الجد إخوة الإيمان في تعلّمها وحفظ متونها والتّمكّن فيها فإنّ في ذلك صيانة لأمر الدين وتقوية للصلة بين ربوع المسلمين ورفعة في الدرجات عند الله سبحانه وتعالى (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون) سورة المطففين/26.