مكة المكرمة تاريخ وفضائل

مكة المكرمة تاريخ وفضائل

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين وعلى آله وصحبه وسلم: أما بعد:

قال الله تعالى في سورة القصص: ((وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68)) وقد خلق الله تعالى فيما خلق كلا من المكان والزمان، وجعلهما أمرين متواصلين فلا يوجد مكان بلا زمان، ولا زمان بلا مكان، وكما فضل الله تعالى بعض الأفراد على بعض فضل بعض الأمكنة على بعض، وفضل بعض الأزمنة على بعض.

ومن تفضيل الله تعالى لبعض الأماكن على بعض أن فَضَّلَ مكة المكرمة وحرمها الشريف على جميع بقاع الأرض، ثم فضل المدينة المنورة من بعد مكة المكرمة، وفضل بيت المقدس من بعد المدينة المنورة، كما جاء في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد كان عبر الزمن تاريخ عظيم لمكة المكرمة ومكانة عند الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومن إدراكنا لأهمية معرفة تاريخ هذه البلدة العظيمة التي كانت وما زالت مُتَّجَهَ المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها نذكر شيئا من تاريخها وفضلها وخصوصا لِمَا عرفناه من فضلها وحبِّ المسلمين لها، فَهُمُ الذين يَشُدُّون الرحال إليها للحج للبيت العتيق ولمشاهدة المشاهد المعظمة فيها، لا سيما أن مكة المكرمة هي مدينة مباركة مقدسة لدى المسلمين أي معظمة، بها المسجد الحرام والكعبة التي هي قبلة المسلمين في صلاتهم.

موقعها:

تقع مكة المكرمة في الجهة الغربية من المملكة العربية السعودية بأرض الحجاز في بطن وادٍ وتُشْرف عليها الجبال من جميع النواحي دائرة حول الكعبة المشرفة، وكانت المناطق المنخفضة من ساحة مكة تسمى البطحاء، وما كان شرق المسجد الحرام يسمى المعلّاة، وما كان إلى الغرب والجنوب يسمى المسفلة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل المعلاة ولد بها في سوق الليل وسكن بها صلى الله عليه وسلم حتى هاجر إلى المدينة المنورة في السنة الثالثة عشرة من البعثة النبوية، ثم دخل من المعلاة أثناء فتح مكة في السنة الثامنة لهجرته الشريفة المباركة صلى الله عليه وسلم.

مكة عبر التاريخ:

ويرجع تاريخ تأسيس مكة إلى ما قبل ميلاد سيدنا إسماعيل عليه السلام وقيامه مع أبيه إبراهيم عليه السلام برفع أساسات الكعبة المشرفة بأمر من الله عز وجل، وكانت مكة في بدايتها بعد طوفان نوح عليه السلام الذي عمَّ الأرض جميعها عبارة عن بلدة صغيرة في وادٍ جافٍّ أي خالٍ من المياه تحيط بها الجبال من كل جانب، ثم بدأ الناس في التوافد عليها والاستقرار بها في عصر نبي الله إبراهيم وولده نبي الله إسماعيل عليهما الصلاة والسلام، وذلك بعدما ترك نبي الله  إبراهيم عليه السلام سُرّيته هاجر وابنه إسماعيل في هذا الوادي الصحراوي الجاف بالقرب من الكعبة المشرفة كما ذكرنا تفاصيل القصة في أعداد سابقة، وتركه لولده وزوجته كان امتثالًا لأمر الله عز وجل فهو نبي كريم يطيع ربه تعالى ولا يفعل هذا من تلقاء نفسه، فبقيا في الوادي حتى تفجر بئر زمزم المبارك، وقد بدأت خلال تلك الفترة رفع قواعد الكعبة على يد سيدنا إبراهيم عليه السلام وولده إسماعيل عليه السلام.

وعندما تفجر بئر زمزم في هذا الوادي الجاف جاء ركب من قبيلة جُرْهُم العربية فسكنوا مكة، وهم أول من عرف بسكناها، وقامت قبيلة جرهم خلال فترة حكمهم لمكة بدفن بئر زمزم، وأكلوا مال الكعبة الذي يُهدى إليها، واستمرت قبيلة جرهم في مكة حتى نهاية القرن الثالث من تاريخ الروم، وكان بغي قبيلة جرهم في مكة سببًا في قيام بني غُبشان من قبيلة خزاعة وبني بكر من قبيلة كنانة بمحاربة جرهم، فلما انتصروا على قبيلة جرهم نفوها من مكة فقام زعيم جرهم عمرو بن الحارث بن مُضاضٍ الجرهمي بدفن غَزالي الكعبة (وهما غزالان من ذهب كانا في جوف الكعبة) وحجر الركن في زمزم قبل خروجه بقومه إلى اليمن، وتولت بعد ذلك قبيلة خزاعة حكم مكة واستمرت كذلك ما يقارب ثلاثمائة سنة، وقام زعيمهم عمرو بن لُحَيٍّ الخزاعي المُضَرِيّ بعبادة الأوثان، فكان أول من غيَّر دين النبي إبراهيم الذي هو الإسلام وعبد الأوثان في شبه الجزيرة العربية.

وانتقل أمر مكة بعد ذلك من يد قبيلة خزاعة إلى قبيلة كنانة ثم إلى قريش وهي فرع من قبيلة كنانة تنتسب إلى النضر بن كنانة، تحت إمرة “قصي بن كلاب” الجدّ الرابع لسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، وقام ببناء دار الندوة ليجتمع فيها مع رجال قريش للقضاء في أمورهم، وقام قصي بن كلاب قبل وفاته بتقسيم أمور الحرم على أولاده الأربع، فكانت سقاية البيت والرِّفادة (وكانت قدرًا تخرجه قريش في كلِّ موسمٍ من أموالها إلى قصيّ بن كلاب فيصنع به طعامًا للحاج يأكله من لم تكن له سعة ولا زاد ممن يحضر الموسم) والقيادة (وهي إمارة الجيش إذا خرجت إلى حرب) من نصيب ولده “عبد مناف بن قصي” الجد الثالث لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وبعد وفاة “عبد مناف بن قصي” تولى قيادة قريش ابنه “هاشم بن عبد مناف” وبعد وفاته تولى القيادة وسقاية الحرم “عبد المطلب بن هاشم” جد سينا محمد صلى الله عليه وسلم وهو الذي كفله بعد موت أمه وكان يحبه ويحنو عليه وهو الذي قام بحفر بئر زمزم مرة أخرى.

تفضيل الله تعالى مكة المكرمة:

من فضائل مكة المكرمة: أن الله عز وجل اختارها لبناء بيته الحرام ومولد نبيه الخاتم ومبعثه صلى الله عليه وسلم، وجعلها منسكًا لعباده وأوجب عليهم الإتيان إليها من القرب والبعد مع الاستطاعة مرة في العمر، فلا يدخلونها إلا متواضعين متخشعين متذللين كاشفي رؤوسهم متجردين عن لباس أهل الدنيا إن أرادوا النسك، وجعلها حرمًا آمنا لا يسفك فيها دم، وجعل قصدها بالحجّ مثلًا مكفّرا لما سلف من الذنوب، وليس على وجه الأرض بقعة يجب على كل قادر السعي إليها غير مكة وذلك لأداء فريضة الحج، وشرع الطواف بالبيت الذي فيها دون غيرها، وفيها موضعان يشرع تقبيلهما واستلامهما هما الحجر الأسود والركن اليماني، وأقسم الله تعالى بها في كتابه العزيز في موضعين منه، ويُضاعف أجر الصلاة في المسجد الحرام فمن صلى فيه ركعة كان كمن صلى مائة ألف فيما سواه، وبها قبلة أهل الأرض كلهم. وبها مواضع تستجاب فيها الدعوات، وتقال فيها العثرات، وتمحى فيها السيئات، وتكشف فيها الكربات، وتحرسها الملائكة فلا يدخلها الدجال بعد خروجه في آخر الزمان.

بعض من الأحاديث التي جاءت في فضلها:

ومن فضائل مكة المكرمة ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم: “صلاةٌ في مسجدي هذا أفضلُ من ألف صلاةٍ فيما سواه إلا المسجدَ الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضلُ من مائةِ ألفِ صلاة”.

ومن فضائلها ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بالقرب من الكعبة: “والله إنكِ لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منكِ ما خرجت”. رواه الترمذي.

وقال صلى الله عليه وسلم: “ما أطيبك من بلد وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك”. رواه الترمذي.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: “إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة”. رواه مسلم.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة، ليس له من نقابها (أي مداخلها وفُوَّهَات طرقها) نقب إلا عليه الملائكة صافّين يحرسونها”. رواه البخاري.

نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يرزقنا زيارتها والطواف بالكعبة فيها إنه على كل شيء قدير، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين…