الرزق مقسوم

الرزق مقسوم

الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى وعلى آله وأصحابه أولي الفضل والتقى، أما بعد:

أما بعد: فإن الله تعالى هو الرازق، ومعنى الرازق: الذي يوصل الأرزاق إلى عباده، والرزق هو ما ينفع ولو كان محرمًا، قال تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم}الإسراء31.

فاعلموا رحمكم الله أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنّا رِزقًا قسمَهُ اللهُ لهُ لا يَموت حتى يأخُذَهُ، وأنَّ مَن سعى لِأخْذِ رزقهِ مِن حلالٍ لا ينقُصُ رزقَهُ قرشًا ولا دينارًا، ومَن سعى لِأخذِهِ مِن حرامٍ لا يزيدُ قرشًا ولا دينارًا، وهذا هو مُعتَقَدُ أهل الحقِّ وهذا ما قاله الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري والمسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ” (أي يكتب الملك على أي شىء يموت، على الإيمان أو على الكفر) ثم قال عليه السلام: “فَوَاَلَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ إنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا”

وفي هذا الحديث أربعُ قضايا مِن أمور الغيب، يَجِبُ الإيمانُ بها، واليقين الجازم بِصِدْقِها، وسأقصر في حديثي على اثنين منها، وهما: الأَجَل والرِّزق، وقد دلَّت نصوص الكتاب والسُّنَّة على أن الله كَتَب الآجالَ والأرزاق، فلا يَزيد فيهما حرصُ حريص، ولا يردُّهما كراهِيةُ كارِهٍ.

وعن عبدالله بن عمرو بن العاص أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: “كتب اللهُ مقاديرَ الخلائق قبل أن يَخلق السمواتِ والأرضَ بخمسين ألف سنة” قال ربنا سبحانه: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾ سورة ءال عمران: 145، وقال جل وعز: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ سورة الأعراف.

وقد ظنَّ بعضُ المنافقين أنَّ تأخُّرَهُم عنِ الجهاد في سبيل الله، وجبنَهم عن ملاقاة الأعداء، سيكون مانعًا لهم من الموت، فقطع الله تلك الآمالَ الكاذبة بقوله: ﴿ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ سورة ءال عمران:154.

ومثلُ الأجلِ الرِّزقُ، فإن ما كُتب للعَبْدِ مِنْهُ سينالُه لا محالة، قال تعالى: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ سورة هود، وقال جل وعز: ﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ   فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ﴾ سورة الذاريات.

وروى مسلم في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ”

وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن أَحَدَكُمْ لَنْ يَمُوتَ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ رِزْقَهُ، فَلا تَسْتَبْطِئُوا الرِّزْقَ، وَاتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَيُّهَا النَّاسُ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ” رواه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح الإسناد.

وفي رواية عند الحاكم عن ابن مسعود رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لَيْسَ مِنْ عَمَلٍ يُقَرِّبُ إِلَى الْجَنَّةِ إِلا قَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ، وَلا عَمَلٌ يُقَرِّبُ إِلَى النَّارِ إِلا قَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، لا يَسْتَبْطِئَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ رِزْقَهُ، إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أَلْقَى فِي رُوعِيَ (أي في قلبي) أَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَنْ يَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَكْمِلَ رِزْقَهُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ أَيُّهَا النَّاسُ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، فَإِنِ اسْتَبْطَأَ أَحَدٌ مِنْكُمْ رزْقَهُ، فَلا يَطْلُبْهُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لا يُنَالُ فَضْلُهُ بِمَعْصِيَةٍ”

وفي رواية عند أبي نعيم في الحلية عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في روعِي (أي في قلبي) أنّ نَفْسًا لنْ تَمُوتَ حَتّى تَسْتَكْمِلَ أجَلَها وَتَسْتَوْعِبَ رِزْقَها، فأجْمِلُوا في الطَّلبِ، ولا يَحْمِلنَّ أحَدَكُمُ اسْتِبْطاءُ الرِّزْقِ أنْ يَطْلُبَهُ بِمَعْصِيَةِ، فإنّ الله لا يُنالُ ما عِنْدَهُ إلاّ بِطاعَتِهِ”

وفي رواية الطبراني من حديث أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “نَفَثَ رُوحَ القُدُسِ في رَوعِي أَنّ نَفسًا لَنْ تَخرُجَ مِنَ الدُّنْيَا حَتَى تَستَكمِلَ أَجَلَهَا وَتَستَوعِبَ رِزقَهَا فَأجْمِلُوا في الطَلَبِ وَلَا يَحمِلَنَّكُم استِبطَاءُ الرِّزقِ أَنْ تَطلُبُوهُ بِمَعصِيَةِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ لَا يُنَالُ مَا عِندَهُ إِلَا بِطَاعَتِهِ”

فما كُتب للعبد من رِزق وأجل، فلا بد أن يستكمله قبل أن يموت، فعن جابر  رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لَوْ أَنَّ ابْنَ ءادَمَ فَرَّ مِنْ رِزْقِهِ كَمَا يَفِرُّ مِنَ المَوْتِ، لأَدْرَكَهُ رِزْقُهُ كما يُدْرِكُهُ المَوْتُ” رواه أبو نعيم في الحلية.

وروى الحاكم في المستدرك عن عمرَ بنِ الخطابِ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا”

هو التوكل، سبيل للخلاص من الجشع والطمع وطلب الحرام من الرزق، والتوكل هو الاعتماد على الله، فمن توكل على الله فهو حسبه كما قال رب العزة في كتابه العظيم:  “وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا” سورة الطلاق

وها هو الزَّاهِدُ الْقُدْوَةُ الرَّبَّانِيُّ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَاتِمُ الأصم رضي الله عنه وأرضاه، الْوَاعِظُ النَّاطِقُ بِالْحِكْمَةِ، لَهُ كَلَامٌ جَلِيلٌ فِي الزُّهْدِ وَالْمَوَاعِظِ وَالْحِكَمِ، كَانَ يُقَالُ عنه: (لُقْمَانُ هَذِهِ الْأُمَّةِ) وكان قد اجْتَمَعَ بِالْإِمَامِ أَحْمَدَ بِبَغْدَادَ. توفي سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ هجرية رحمه الله.

قِيلَ لَهُ: عَلَى مَا بَنَيْتَ أَمْرَكَ فِي التَّوَكُّلِ ؟ قَالَ: “عَلَى خِصَالٍ أَرْبَعَةٍ: عَلِمْتُ أَنَّ رِزْقِي لَا يَأْكُلُهُ غَيْرِي، فَاطْمَأَنَّتْ بِهِ نَفْسِي، وَعَلِمْتُ أَنَّ عَمَلِي لَا يَعْمَلُهُ غَيْرِي، فَأَنَا مَشْغُولٌ بِهِ، وَعَلِمْتُ أَنَّ الْمَوْتَ يَأْتِي بَغْتَةً (أي فجأة) فَأَنَا أُبَادِرُهُ، وَعَلِمْتُ أَنِّي لَا أَخْلُو مِنْ عَيْنِ اللَّهِ (أي أن الله يراني) فَأَنَا مُسْتَحيٍ مِنْهُ” فوالله من عمل بهذه الخصال بلغ التوكل على الله سبحانه.

وقال سيدنا حاتم الأصم رضي الله عنه أيضا: “تَعَاهَدْ نَفْسَكَ فِي ثَلَاثٍ: إِذَا عَمِلْتَ، فَاذْكُرْ نَظَرَ اللَّهِ إِلَيْكَ (أي أن الله يراك وهو مطلع عليك، وهو يرى كل المرئيات حتى جوفَ الجوف وجريان الدمعة، بلا حدقة ولا ءالة) قال: وَإِذَا تَكَلَّمْتَ، فَاذْكُرْ سَمْعَ اللَّهِ مِنْكَ، (فالله تعالى يسمع كل المسموعات حتى دبيب النملة على الصخرة الصماء، بلا أذن ولا ءالة) قال: وَإِذَا سَكَتَّ، فَاذْكُرْ عِلْمَ اللَّهِ فِيكَ” فالله تعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وهو القائل سبحانه: “لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” سورة البقرة، وقال عز من قائل:” قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” سورة ءاله عمران

وروي عن حاتم الأصم أنه قال: “لِي أَرْبَعَةُ نِسْوَةٍ وَتِسْعَةُ أَوْلَادٍ، مَا طَمِعَ شَيْطَانٌ أَنْ يُوَسْوِسَ إِلَيَّ فِي أَرْزَاقِهِمْ”

والحمد لله رب العالمين….