حكم الجهر بالدعاء والذكر

من العلماء من كرهه ومنهم من أباحه ومنهم من قال إنه مستحب.

ولم يحرم ذلك على الإطلاق أحد من العلماء المعتبرين، فمن حرمه قيد ذلك بما إذا تسبب ذلك في تشويش على مُصلّ أو قارئٍ للقرءان.

فممن قال بالجواز المطلق منصور البهوتي الحنبلي كما في كتابه (كشاف القناع)، ووردت فتاوى لبعض علماء المالكية كذلك ذكرها الإمام الونشريسي في كتابه (المعيار)، ولا سيما إذا أراد الإمام تعليم المأمومين بأن الدعاء مشروع بعد الصلاة فيجهر بذلك ويبسط يديه كما قال الشافعي في كتابه الأم.

ونستأنس لذلك بما ورد عن الصحابي الجليل حبيب بن مسلمة الفهري، وكان مجاب الدعوة قال: سمعت رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- يقول: « لا يجتمع ملأ، فيدعو بعضهم، ويؤمن البعض، إلا أجابهم الله » رواه الحاكم.

وقد ورد في السنة ما يدل على الجهر بالذكر عقب الصلاة ؛ فقد روى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : « كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إِذَا سَمِعْتُهُ » ، وفي لفظ : « كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلاَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم بِالتَّكْبِيرِ ».

وروى النسائي في سننه بإسناد صحيح من حديث أُبَيِّ بن كعب وعبد الرحمن بن أَبْزَى رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ في الوتر بسبح اسم ربك الأعلى وقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد ، فإذا سلّم قال : « سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ » ثلاثَ مرات ، زاد عبد الرحمن في حديثه : يرفع بها صوته ، وفي رواية : يرفع صوته بالثالثة. فلو لم يكن إلا هذا الحديث لكفى دليلا على جواز الجهر بالذكر بعد الصلاة.

ويكفي كذلك في بيان استحباب ذكر الله جماعة ما رواه مسلم والترمذي عن معاوية أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال: « ما يجلسكم ؟ قالوا جلسنا نذكر الله ونحمده فقال: إنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة ».

وكذا ما رواه البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه »، قال الإمام السيوطي في رسالته المسماة “نتيجة الفكر في الجهر بالذكر”: والذكر في الملأ لا يكون إلا عن جهر.

من أقوال العلماء في الجهر بالدعاء والذكر

وقد ناقش الإمام النووي رحمه الله هذه المسألة منتصرا لمشروعيتها فقال في كتابه “المجموع شرح المهذب” ج3 ص 469 ما نصه: « (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا اسْتِحْبَابَ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ عَقِبَ كُلِّ الصَّلَوَاتِ بِلَا خِلَافٍ، وَأَمَّا مَا اعْتَادَهُ النَّاسُ أَوْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ مِنْ تَخْصِيصِ دُعَاءِ الْإِمَامِ بِصَلَاتَيْ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ فَلَا أَصْلَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْحَاوِي فَقَالَ: إنْ كَانَتْ صَلَاةً لَا يُتَنَفَّلُ بَعْدَهَا كَالصُّبْحِ وَالْعَصْرِ اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ وَاسْتَقْبَلَ النَّاسَ وَدَعَا، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُتَنَفَّلُ بَعْدَهَا كَالظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فَيُخْتَارُ أَنْ يَتَنَفَّلَ فِي مَنْزِلِهِ، وَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ التَّخْصِيصِ لَا أَصْلَ لَهُ، بَلْ الصَّوَابُ اسْتِحْبَابُهُ فِي كُلِّ الصَّلَوَاتِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقْبِلَ عَلَى النَّاسِ فَيَدْعُوَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ». اهــ

وقد قال الشرنبلالي الحنفي في كتابه “مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح” في أمر الإسرار بالذكر والدعاء والجهر بهما ما نصه: « إن ذلك يختلف بحسب الأشخاص، والأحوال، والأوقات، والأغراض، فمتى خاف الرياء أو تأذى به أحد كان الإسرار أفضل، ومتى فُقِد ما ذُكِر كان الجهر أفضل » اهـ

قال العلامة الطحطاوي في حاشيته على مراقي الفلاح: « لا يمنع من الجهر بالذكر في المساجد احترازا عن الدخول تحت قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّـهِ أَن يُذْكَرَ‌ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَ‌ابِهَا ﴾ [البقرة /114]. وأورد الإمام الغزالي في كتابه “مكاشفة القلوب المقرّب إلى علام الغيوب” في تفسير قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُ‌وا اللَّـهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ ﴾ [النساء/103]، قولَ ابن عباس رضي الله عنهما: ” أَيْ بالليل والنَّهار في البرِّ والبَحرِ والسَّفَر والحَضَر والغنى والفقر والمرض والصحة والسرّ والعلانية’’.

ويقول الإمام الطاهر بن عاشور في تفسيره “التحرير والتنوير” ج 5 ص 1020 في تفسير الآية السابقة: « والمراد من الذكر هنا ذكر اللسان والتحميد، فَقَد كَانُوا فِي الأَمن يجلسونَ إلى أَن يَفرغُوا من التسبيح وَنَحوهِ، فرخّص لهم حين الخوف أن يذكروا الله على كل حال’’.

ولشدة النـزاع في المسألة فقد خصص لها عدد من العلماء رسائل، منهم الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي الذي ألف رسالة أسماها “نتيجة الفكر في الجهر بالذكر”، وابن لب فرج بن قاسم المتوفي سنة 782هـــ كما في “نيل الابتهاج” وأشار إليه الشيخ عبد الصمد كنون المغربي في شرح العمل الفاسي ص140 واسم هذه الرسالة “لسان الأذكار والدعوات مما شرع في أدبار الصلوات” و نقل الونشريسي صاحب المعيار جزءا منها في المجلد الأول ص 297.

ومنهم الشيخ أحمد بن الصديق الغماري رحمه الله، والشيـخ محمـد هاشم التتوي السندي، والشيـخ محمـد بن عبد الرحمن الأهدل اليمني، وقد جمع هذه الرسائل الثلاث العلامة الشيخ عبد الفتاح أبوغدة ونشرها بعنوان: “ثلاث رسائل في استحباب الدعاء ورفع اليدين فيه بعد الصلوات المكتوبة”.

كما نقل الونشريسي أجوبة لعدد من العلماء في هذه المسألة وبالكيفية الجاري بها العمل في المساجد عندنا، ومن هذه الأجوبة جواب ابن عرفة – رحمه الله – قال في آخره: ( والله حسيب أقوام ظهر بعضهم ولا يعلم له شيخ، ولا لديهم مبادئ العلم الذي يفهم به كلام العرب والكتاب والسنة، يفتون في دين الله بغير نصوص السنة)

والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله….