جبل عرفات وفضل يوم عرفة

جبل عرفات وفضل يوم عرفة

الحمدُ للهِ الذي خلقَ الأَرَضِيْنَ والسماواتِ، وجعلَ النورَ والظلماتِ، وجعلَ المؤمنينَ فِي الجنةِ درجاتٍ، وفَضَّلَ الأنبياءَ بعضَهُم علَى بعضٍ وخَصَّ محمدًا ﷺ بأعلى المقاماتِ، وَشَرَعَ أحكامًا وعباداتٍ، وشَرَعَ الحجَّ منهُ أركانٌ وسننٌ وواجباتٌ، طوافٌ وسعيٌ ووقوفٌ بأرضِ عرفاتٍ فمبيتٌ بمزدلفةَ ومِنًى ورميٌ للجمراتِ، وطوافٌ للوداعِ وهناكَ عندَ الملتَزَمِ تُسْكَبُ العَبَرَاتُ وأشهدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لَا شريكَ لَهُ فلَا ذاتُهُ سبحانَهُ يشبهُ الذواتِ، ولا حَكَتْ صفاتُهُ الصفاتِ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُهُ سيدُ الساداتِ، شهادةً تُنَالُ بهَا الحسناتُ، وتُحَطُّ بِهَا الخطيئاتُ، والصلاةُ والسلامُ على سيدِنَا محمدٍ الذي جعلَ اللهُ زيارَتَهُ مِنْ أنجَحِ المساعي وأفضلِ القُرُبَاتِ، وبعد:

إن أهل الإسلام يجتمعُون بأشكالهم المختلفةِ وألسنتِهم المتعدّدة تحتَ رايةِ التوحيد التي جمعتهم فوقَ أرضٍ واحدةٍ يدعونَ ربًّا واحدًا.

وإنَّ موقفَ المسلمينَ على أرضِ عرفة قائلين: “لبّيك اللهمّ لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إنّ الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك” موقفٌ تنشدُّ له الأبصار، موقفٌ تحنُّ لهُ القلوب، موقفٌ تذرفُ له العيونُ بالدموعِ شوقًا لتلك البِقاع، شوقًا لأمِّ القرى لمكّةَ ومنى وعرفة.

والله تعالى يقول: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107) تِلْكَ ءايَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۗ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ}

{وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ} أمْرٌ بالتمسّكِ بالدِّين والوقوفِ عندَ حدودِ الدينِ والاعتصامِ بحبل الله المتين.

{ولا تَفَرَّقُوا} لأنّ في الفُرقةِ ضعفًا وفي الوحدة قوّة، ويُذكّرُكُم اللهُ بالنعمةِ العظيمةِ {واذْكُرُوا نعمةَ اللهِ عليكُم} وهي نعمةُ الإيمانِ بالله العظيم.

فلقدْ بيّن اللهُ لنا في القرءانِ أنّ صحابةَ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم توحّدوا واجتمعوا على الإيمان بالله ورسوله وتآلفُوا وتآخَوا وتظلَّلُوا تحتَ رايةِ “لا إله إلا الله محمّد رسول الله” ووجّهوا أنظارَهم نحوَ هدفٍ واحدٍ وهو رفعُ هذه الراية، وتوحّدوا على دربِ التقوى وجمعهم الإخلاصُ لله والتضحيةُ لله عزّ وجلّ.

وإنّ الاعتصامَ المنجي هو الاعتصامُ بكتابِ الله وسُنّةِ رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم. وكم هو عظيمٌ قولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عندَما خطبَ في الناسِ في حجّةِ الوداع فقال: “يـَا أَيُهَـا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيْكُمْ مَا إِنّ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلّوا أَبَـدًا كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخُو المُسِّلِمْ، المُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِىءٍ مِنْ مَالِ أَخِيِهِ إِلَا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيِبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظَلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُم رِقَابَ بَعْضٍ”.

يقول الله تعالى: {وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِنْهَا} أنقذهم منَ النارِ بالإسلام، لأنّ من ماتَ على الإشراكِ أو على أيّ نوعٍ من أنواعِ الكفرِ كنفيِ وجودِ اللهِ أو الاستهزاءِ بالله أو بدينِ الإسلامِ أو بنبيٍّ منْ أنبياءِ اللهِ أو بملَكٍ منَ الملائكةِ يدخلُ النارَ خالدًا فيها أبدًا، ولا يخرجُ منها ولا يرتاحُ من عذابها.

وأفضل أيام العشر بل أفضل أيام العام هو يوم عرفة، يوم التاسع من ذي الحجة، فقد روى ابن حبان في صحيحه من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أَفْضَلُ الأَيَامِ يَومُ عَرَفَةَ” وهو اليوم الذي يقف فيه الحجاج على أرض عرفات لأداء هذا الركن العظيم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” الحج عرفة ” ومعناه من فاته الوقوف بعرفة فقد فاته الحج، ولا يُشْتَرَط للحَاجّ أنْ يَصِلَ هّذَا الجَبَل، هَذَا الجَبَل لَا يَصِلهُ إِلَا عَدَدٌ قَلِيل مِنَ الحُجَاج، هَذّا تَرَونَهُ فِي الحَجِّ أَبيَض، لَا تَرَونَهُ هَكَذَا، لَا تَجِدْ فِيهِ مَوطِئ قَدَم، الكُل يَنظُر هَل يَتَيَسَر لي أَن أَصِلَ إِلى جَبَلِ الرَحمَة، عَدَد قَلِيل مَن يَتَيَسَّر لَهُ، النَّاس تَتَسَابَق إِلى هَذَا الجَبَل لِمَوقِف النَبيّ عَليه الصلاة والسلام، الشَاهد الَّذي فَوق هُوَ عَلَامَة إِلى أَنَّهُ هَذَا جَبَلُ الرَحمَة، لَكِن مَوقِف النبي عليه الصلاة والسلام كَان عَلَى حَسَب الوصف الذي ذكره أهل العلم عند الصَخَرات المُفتَرَاشَات فِي أسفَلِ جَبَل الرَحمَة، كما نص على ذلك أهل العلم ومنهم الإمام بَدر الدِّينِ بنُ جَمَاعَة وَاجتَمَعَ معَ النبي عليه الصلاة والسلام في حَجَة الودَاع مِائَة ألف الذِين كَانُوا في هَذَا المَوقِف يَحفُونَ النَبيّ عليه الصلاة والسلام وَهُوَ يَقِفُ خَطِيبًا بِهم في ذَلِكَ اليَوم الذي كَانَ عَصرَ يَوم الجُمُعَة.

وفي هذا اليوم نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ءاية عظيمة لما كان عليه الصلاة والسلام على أرض عرفة في حجته التي عرفت بحجة الوداع،: “اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا” {المائدة:3}

وَقَفَ عليه الصلاة والسلام، في مِثْلِ هَذَا المَوقِف في يَومِ عَرَفَة، وَكَانَ يَومَ جُمُعَة، وَقَفَ عليه الصلاة والسلام خَطِيبًا لأَصحَابِه، وَعَظَهُم عليه الصلاة والسلام مَوعِظَةً خَشَعَت لَهَا القُلُوب، وَذَرَفَت مِنهَا العُيُون، قَالُوا يَا رَسُولَ الله: وَكَأنهَا خُطْبَةُ مُوَدع، فَصَارَ الصَحَابَةُ يَبكُون، شَعَرُوا أَنَّ هَذَا هُوَ الودَاعُ مِنَ النَبِيّ عليه الصلاة والسلام، مَا عَاشَ النَبِيّ عليه الصلاة والسلام بَعدَهَا إلا نَحوِ ثَمَانِينَ يَوما، فَكَانَ عليه الصلاة والسلام يُودِعُ الصَحَابَة، مِائَة أَلف مِنَ النُجُوم يَلتَفُونَ حَولَ القَائِد والإمَام مُحَمَّد عليه الصلاة والسلام، وَيَنزِل بَعدَ العَصر مِن ذَلِكَ اليَوم قَولُ اللهِ تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا} سورة المائدة. وَمَعنَى ذَلِك بِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَد تَمَّت قَواَعدُ الدِّين.

 وفي الصحيحين واللفظ للبخاري عن ‏عمر بن الخطاب أن ‏رجلا ‏‏من ‏‏اليهود ‏‏قال له: ءايةٌ في كتابكم تقرءونها لو علينا‏ ‏معشر اليهود ‏نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، قال: أي ءاية؟ قال: ‏”اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا” قال سيدنا ‏‏عمر رضي الله عنه: ” ‏قد ‏عرفنا ذلك اليوم ‏والمكان الذي نزلت فيه على النبي‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏وهو قائمٌ بعرفة يوم ‏جمعة “، ولكن هذه الأية ليست هي ءاخر ءاية نزلت من كتاب الله كما شاع عند كثير من الناس وإنما ءاخر ءاية نزلت هي قول الله تعالى: “واتقوا يوما تُرجعون فيه إلى الله ثم تُوفى كلُّ نفس ما كسبت وهم لا يُظلمون” سورة البقرة.

وفي بعض الروايات، قال سيدنا عمر رضي الله عنه: “نَزَلَتْ يَومَ جُمُعَةٍ يَومَ عَرَفَةَ وَكِلَاهُمَا بِحَمْدِ اللهِ لَنَا عِيْدٌ”. وقال ابنُ عَبّاسٍ:”فَإِنّهَا نَزَلَتْ في يَوْمِ عِيدَيْنِ: في يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَيَوْمِ عَرَفَةَ”. رواه الترمذي وغيره.

وجاء في فضل يوم عرفة أحاديث كثيرة منها:

ما رواه مسلم في الصحيح، عن السيدة عائشة رضي الله عنها قَالَتْ: إِنَّ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ‏‏”مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ”.‏

وأخرج مالك في الموطأ ‏أن رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏قال: “مَا رُؤيَ الشَيْطَانُ يَومًا هُوَ فِيِهِ أَصْغَرُ، وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أحْقَرُ، وَلَا أغْيَظُ مِنْهُ في يَومِ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إِلَا لمَا يَرَىَ مِنْ تَنَزُّلِ الرَحْمَةِ، وَتَجَاوْزِ اللهِ عَنْ الذُّنُوبِ العِظَامِ، إِلَا مَا أُرِيَ يَومَ بَدْرٍ، ‏قِيِلَ: وَمَا رَأىَ ‏يَومَ ‏‏بَدْرٍ ‏يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: أَمَّا إِنَّهُ قَدْ رَأىَ جِبْرِيِلُ يَزَعُ المَلَائِكَةَ”. (أي يُرَتِّبَهم ويُسَوِّيِهم ويَصُفُّهم للحرْب).

وفي موطأ مالك أن ‏رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم ‏‏قال:”أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا والنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِى لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ”.

وعن الفضيل بن عياض رضي الله عنه أنه نظر إلى بكاء الناس بعرفة فقال: ” أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل واحد فسألوه دانقا أكان يردهم ؟ قالوا: لا، قال: ” والله للمغفرة عند الله عز وجل أهونُ من إجابة رجل لهم بدانق “

وعن سالمِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنهم أنه رأى سائلا يسألُ الناس يومَ عرفةَ فقال: ” يا عاجزا في هذا اليوم تسأل غير الله تعالى “

ويستحب صيام يوم عرفة لغير الحاج، فقد روى مسلم عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ -رضي الله عنه-:  قَالَ: وَسُئِلَ- أي رسول الله صلى الله عليه وسلم – عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ: “يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ”

وأما بالنسبة للحاج فلا يصوم، فقد ثبت في الصحيح أن رسول الله وقف مفطرًا، والعمل على هذا عند أكثرِ أَهلِ العلمِ يَستَحِبُّونَ الإفطَارَ بعَرَفَةَ ليتَقَوَّى بِهِ الرَّجلُ عَلَى الدَّعاءِ.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحابته الطيبين الطاهرين