خطبة الجمعة : التحلي بالخلق الحسن

التَّحَلِّي بِالْخُلُقِ الحَسَنِ

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، الذي مَدَحَ سيدَ الأولينَ والآخرينَ فقالَ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيْمٍ وجعلَ الحِلْمَ وحُسْنَ الخُلُقِ شعارَ الصَّالحين، أَحْمَدُهُ تعالَى بأنْ خَصَّنَا بالنَّبيِّ المَكِينِ، والرَّسولِ الأمِينِ، سيِّدِ المُرسَلِينَ، وخَاتَمِ النَّبيِّينَ، وأرسَلَهُ بالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ وَرَفَعَ ذِكْرَهُ فِي الأولينَ والآخرين، فالصَّلاةُ عليهِ وعلَى آلِهِ وصَحبِهِ ومَنِ اقتَفَى أثَرَهُ وأحْيَا سنَّتَهُ إلَى يومِ الدِّينِ، أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ فإنِّي أوصيكُمْ ونفسيَ بتقوَى اللهِ العليِّ العظيمِ القائلِ في سورةِ الأحزابِ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا، إخوةَ الإيمانِ: هَا نحنُ فِي أيامِنا هذهِ وبعدَ انقضاءِ موسمِ الحجِّ المباركِ، هذهِ الفريضةُ العظيمةُ التِي قالَ نبيُّنَا ﷺ وهوَ يؤدِّيهَا مُوصِيًا الصحابةَ رضيَ اللهُ عنهُم أنْ يقتَدُوا بهِ خذُوا عنِّي مناسِكَكُمْ، نتذكَّرُ أنْ نَثْبُتَ علَى الاقتداءِ بهِ ﷺ فِي عبادَاتِهِ وفِي معامَلَاتِهِ وفِي أخلاقِه الفاضلةِ، فهوَ الذِي أَرْسَلَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَأَدَّى وَبَلَّغَ وَبَشَّرَ وَأَنْذَرَ، وَأُوذِيَ وَصَبَرَ، وَعَلَّمَ وَأَمَرَ، فِي حَرٍّ وَبَرْدٍ وَصَيْفٍ وَشِتَاءٍ وَلَيْلٍ وَنَهَارٍ مِنْ غَيْرِ كَلَلٍ أَوْ مَلَلٍ، حَتَّى انْقَادَتْ لَهُ نُفُوسٌ كَانَتْ جَامِحَةً، وَلانَتْ لِوَعْظِهِ ﷺ قُلُوبٌ كَانَتْ جَلامِيدَ قَاسِيَةً، وَأَشْرَقَتْ مِنْ نُورِ هَدْيِهِ أَفْئِدَةٌ كَانَتْ مُظْلِمَةً، فَيَا مُحِبِّي رسولِ اللهِ ﷺ أوصافُهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ تحملُكَ علَى محبَّتِهِ وشمائلُهُ تدفَعُكَ لزيادةِ تعظيمِهِ ومكارمُ أخلاقِهِ دليلٌ علَى علوِّ شأنِهِ، حسنُ المعاشرةِ، و حسن الخلق ، ولينُ الجانبِ، وبذلُ المعروفِ، وإطعامُ الطعامِ، وإفشاءُ السلامِ، وعيادةُ المريضِ وتشييعُ الجِنازةِ، وحسنُ الجوارِ، والعفوُ والإصلاحُ بينَ الناسِ، والجودُ والكرمُ وكظمُ الغيظِ والعفوُ عنِ الناسِ.

إخوةَ الإيمانِ أنزلَ اللهُ عزَّ وجلَّ علَى نبيِّهِ ﷺ فِي سورةِ النحلِ قولَهُ: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، وهذهِ الآيةُ العظيمةُ التي تدعو إلَى حسنِ الخلقِ وتدلُّ علَى أنَّ هذهِ دعوةُ نبيِّنَا ﷺ الذي يحاربُ الأخلاقَ السيئةَ وينهى عنهَا، ويأمرُنَا بالاستقامةِ والأمانةِ والصدقِ والعفةِ والرحمةِ والعدلِ والإنصافِ وهوَ مَا يحققُ للإنسانِ سعادةً فِي الدنيَا والآخرةِ، وهوَ الذي أمرَ المسلمينَ بالتعاونِ علَى البرِّ والتقوَى وعدمِ التعاونِ علَى الإثمِ والعدوانِ، فإنَّ الخلقَ الحسنَ الذِي أمرَ بهِ الإسلامُ له ثمراتٌ عظيمةٌ تعملُ على تماسكِ بنيانِ المجتمعِ وقوتِهِ وحمايتِهِ مِنَ التفككِ والانحلالِ، ووقايتِهِ مِنَ الآفاتِ الاجتماعيةِ.

إخوةَ الإيمانِ إنَّ الخلقَ الحسنَ هوَ ثمرةٌ عظيمةٌ مِنْ ثمراتِ التزامِ المؤمنِ بالعباداتِ التِي أمَرَنا اللهُ بها كالصلاةِ فإنَّهَا تنهَى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والصيامِ فإنَّهُ كمَا جاءَ فِي الحديثِ جُنَّةٌ أيْ وقايةٌ مِنَ الشرورِ والآثامِ، والحجِّ فإنَّهُ تطهيرٌ للفؤادِ ومغفرةٌ للذنوبِ وتساوٍ بينَ المسلمينَ فقيرِهِم وغنِيِّهِمْ، ولِهَذا تَجِدُ المؤمنَ يلتزمُ بالخلقِ الحسنِ بينَ أهلِهِ وبينَ الناسِ فِي شوارِعِهِمْ وطُرُقَاتِهِم ومجتَمَعَاتِهِم وهذَا مِمَّا حثَّ عليهِ الدينُ الحنيفُ ورفعَ درجةَ الملتزمِ بهِ طلبًا للأجرِ مِنَ اللهِ ربِّ العالمينَ، فقدْ قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ الُمؤْمِنَ لَيُدْركُ بِحُسْنِ خُلُقِه دَرَجةَ الصَّائِمِ القَائِمِ» رواهُ أبو داودَ، أيْ صائمِ النفلِ وقائمِ النفلِ، وقدْ قالَ رسولُ اللهِ ﷺ فيمَا رواهُ الترمذيُّ: «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُم إِليَّ، وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجلسًا يَومَ القِيَامَةِ، أَحَاسِنَكُمْ أَخلاقًا».

إخوةَ الإيمانِ هذَا ما تعلَّمْنَاهُ مِنْ أخلاقِ محمدٍ ﷺ، فهوَ سهلُ المعاملةِ حَسَنُ العشرةِ طيبُ الأخلاقِ ينتقي مِنَ الكلامِ أطَايِبَهُ يتفَقَّدُهُمْ ويحنُو عليهِمْ ويُحْسِنُ إليهِمْ ويُحسِنُ إلَى مَنْ أساءَ إليهِ أيضًا، فَقَد روَى الشيخانِ عنهُ ﷺ أنَّهُ لمَّا خرجَ إلَى الطائفِ وفعلُوا بهِ مَا فعلُوا استأذَنَهُ مَلَكُ الْجِبَالِ أنْ يطبقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ فأجابَهُ ﷺ: ((بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا)). رَزَقَنَا اللهُ الاِهْتِدَاءَ بِهَدْيِهِ وَالاِقْتِدَاءَ بِهِ ﷺ وَجَمَعَنَا بهِ فِي جناتِ النعيمِ إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.  هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ.

الخطبةُ الثانيةُ:

إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُهُ ونستعينهُ ونستغفرهُ ونستهديهِ ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسنَا ومِنْ سيئاتِ أعمالنَا عبادَ اللهِ أوصيكمْ بتقوى اللهِ العليِّ العظيمِ وطاعتِهِ وأحذركُم ونفسيَ مِنْ عصيانِهِ ومخالفةِ أمرِهِ وأصلي وأسلمُ على سيدِنَا محمدٍ وءالِهِ وصحبِهِ: أمَّا بعدُ: إخوةَ الإيمانِ إنَّ مِنْ سوءِ الأخلاقِ التِي نهَى الإسلامُ عنها تتبعَ عوراتِ المسلمينَ أيْ عيوبَهم وفضحَهم فقدْ قالَ ﷺ فيما رواه الترمذي: «صَعِدَ رَسُولُ الله الْمِنْبَرَ وخاطبَ المنافقينَ قائلًا: لاَتُؤْذُوا المُسْلِمينَ وَلَا تُعَيِّروهُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخيهِ المُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ». والمعنى كمَا قالَ ملا عليٌّ القاري وغيرُه أنَّ مَنْ يَتَتَبَّعُ عيوبَ المسلمينَ يكشِفُ اللهُ عيوبَهُ للناسِ وليسِ أنَّ اللهَ يوصَفُ بِصفةٍ قبيحَةٍ والعياذُ باللهِ تعالَى فهوَ موصوفٌ بصفاتِ الكمالِ التِي تليقُ بهِ منزَّهٌ عنْ كلِّ مَا لَا يليقُ بهِ ليسَ كمثلِهِ شيءٌ وهوَ السميعُ البصيرُ. وقد قالَ الإمامُ الشافعيُّ رضيَ اللهُ عنهُ في الحثِّ على السَّترِ على المسلمِ:

إذَا شئْتَ أَنْ تَحْيَا سلِيْمًا مِنَ الأَذَى … وَحَظُّكَ مَوْفُوْرٌ وَعِرْضُكَ صَيِّنُ

لِسَانَكَ، لَا تَذْكُرْ بِهِ عَوْرَةَ امْرِئٍ … فَكُلُّكَ عَوْرَاتٌ وَلِلنَّاس أَلْسُنُ

وَعَيْنُكَ إِنْ أَبْدَتْ إِلَيْكَ مَعَايِبًا … فَصُنْهَا وَقُلْ يَا عَيْنُ لِلنَّاسِ أَعْيُنُ

وَعَاشِرْ بِمَعْرُوفٍ وَسَامِحْ مَنِ اعْتَدَى … وَفَارِقْ وَلَكِنْ بِالتِي هِيَ أحْسَنُ

عِبادَ اللهِ إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قد أمركم بأمرٍ عظيمٍ قد أمركم بالصلاةِ على نبيِّهِ الكريمِ فقالَ {إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم اجعلنا من عبادك المحسنين، المتحابين فيك والمتناصحين فيك، والمتباذلين فيك، اللهم ارزقنا سبل الاستقامة لا نزيغ عنها أبدًا، وجنبنا الفتن والآثام والشرور وانقلنا من ذل المعصية إلى عز الطاعة يا أكرم الأكرمين ، اللهمّ عليكَ بمنْ يكيدُونَ للإسلامِ والمسلمينَ اللهمّ خذهُمْ أخذَ عزيزٍ مقتدرٍ يا ربَّ العالمينَ اللهمَّ عليكَ بأعدائِكَ وأعداءِ نبيِّكَ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ اللهمَّ أَرِحِ البلادَ والعبادَ مِن شرِّ أعداءِ الدينِ، اللهم وَحِّدْ صفوفَ المسلمينَ اللهمّ اجمعْ كلمةَ المسلمينَ اللهم فرج كرب المسلمينَ في كلِّ مكانٍ وثبتهم وانصرنا على من عادانا، اللهم فرج الكرب عن الأقصى يا ربَ العالمين، اللهمّ اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ . ربنَا آتِنَا في الدنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً وقنَا عذابَ النارِ وأدخلنَا الجنةَ معَ الأبرارِ برحمتكَ يا عزيزُ يا غفارُ اللهمّ ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ ولذكرُ اللهِ أكبرُ واللهُ يعلمُ ما تصنعونَ وأقمِ الصلاةَ.