خطبة الجمعة : حلاوة الإيمان

حَلَاوَةُ الإِيْمَانِ وَكَرَاهِيَّةُ العِصْيَانِ

الحمدُ للهِ الذي لَا يشغلُهُ شأنٌ عنْ شأنٍ وهوَ العزيزُ الحكيمُ، قَسَمَ عبادهُ قسمينِ فهمْ طائعٌ وأثيمٌ، وجعلَ مآلَهُم إلى دارينِ دارِ النعيمِ و دارِ الجحيم، أحمدُهُ سبحانَهُ بأنْ مَنَّ علينَا
بهذَا الدينِ العظيم، وجعَلَنَا مِنْ أتباعِ نبيٍّ كريم، صاحبِ الخلقِ العظيم، والفضلِ العميم، محمدٍ خيرِ الأنامِ والمرسلين، وأشهدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لَا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ سيدَنَا ونبيَّنَا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، أصدقُ الناسِ فِي الأقوال، وأرشدُهُم فِي الأفعال، وأعدَلُهُم فِي الأحوال، صلَّى اللهُ وسلَّمَ وبارَكَ عليهِ وعلَى آلِهِ وصحبِهِ خيرِ صحبٍ وآل، والتابعينَ ومَنْ تَبِعَهُمْ بإحسانٍ إلَى يومِ المآل، أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ فإنِّي أوصيكُمْ ونفسيَ بتقوى اللهِ العليِّ العظيمِ فاتقوه: أمَّا بعدُ: أيُّها الإخوةُ المسلمونَ: يقولُ اللهُ تعالى فِي محكمِ التنزيلِ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، وقدْ روى مسلمٌ في صحيحِهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ»، وهذَا فيهِ تذكيرٌ لنَا بأعظمِ نعمةٍ رَزَقَنَا اللهُ إيَّاهَا وهيَ نعمةُ الإيمانِ وأنْ جَنَّبَنَا الكفرَ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، فنعمةُ الإيمانِ أفضلُ مِنْ نعمةِ الصحةِ والمالِ، ولذلكَ قالوا: “مَنْ أُعطيَ الدنيا ولم يعطَ الإيمانَ فكأنَّمـا ما أُعطيَ شيئًا، ومَنْ أُعطيَ الإيمانَ ولم يُعطَ الدنيا فكأنَّما ما مُنِعَ شيئًا”، وفي ذلكَ أنشَدَ بعضُهم:

نِعَمُ الإِلَــهِ عَلَـى الْعَبادِ كَـــثِيرَةٌ ******  وَأَجَلُّــهُنَّ فَــنِعْمَـةُ الإِيـمَانِ

وقدْ بَيَّنَ العلماءُ جزاهُم اللهُ خيرًا كالحافظِ النوويِّ فِي كتابِهِ روضةِ الطالبينَ وغيرِهِ كيفَ يحافظُ المسلمُ علَى هذهِ النعمةِ وقالوا إنَّ ذلكَ يكونُ باجتنابِ الردةِ وتركِ الإسلامِ وذَكَرُوا أنَّ الردةَ تُقسَمُ إلَى ثلاثةِ أقسامٍ فَمِنْها مَا هوَ قوليٌ كَمَنْ يَسُبُّ اللهَ والعياذُ باللهِ أو يَسُبُّ دينَ الإسلامِ أو نبيًّا مِنَ الأنبياءِ أو مَلَكًا مِنَ الملائكةِ الكرامِ أو يستهزئُ بشرعِ اللهِ وبشريعتِهِ، والقسمُ الثاني مِنْ أقسامِ الردةِ هوَ الفعليُّ كالذِي يُلْقِيْ المصحفَ فِي القاذوراتِ والقسمُ الثالثُ هوَ الردةُ الاعتقاديَّةُ كالذِي يعتقدُ خلافَ عقيدةِ المسلمينَ كالذِي يعتقدُ أنَّ للهِ ولدًا أو زوجةً أو شريكًا أو يعتقدُ عقيدةَ اليهودِ أنَّ اللهَ خلقَ السماواتِ والأرضَ في ستةِ أيامٍ ثمَّ تعبَ في اليومِ السابعِ واستراحَ جالسًا على العرشِ فنزلَ فيهمْ قولُهُ تعالى: ((وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ)) فاللهُ تعالى لا يوصفُ بالتعبِ ولا بصفاتِ الخلقِ ليسَ كمثلِهِ شىءٌ وهوَ السميعُ البصيرُ مهمَا تصورتَ ببالكَ فاللهُ بخلافِ ذلكَ وَلْيُعْلَمْ أَنَّ مَنْ وقعَ في أيِّ قسمٍ مِنَ الكفرِ يجبُ عليهِ فورًا الرجوعُ للإسلامِ بالنطقِ بالشهادتينِ وتركِ ما صدرَ منهُ.

إخوةَ الإيمانِ اعلموا أنَّ للإيمانِ باللهِ ورسولهِ والثباتِ عليهِ حلاوةً تدفعُ المؤمنَ للطاعةِ وتجنِّبُهُ الرذيلةَ والفحشَ والقبائحَ ومخالفةَ أمرِ اللهِ عزَّ وجلَّ ويكونُ حسنُ المتابعةِ بأداءِ مَا أوجبَ واجتنابِ مَا حَرَّمَ، فالعبدُ التقيُّ هوَ الذي يطيعُ ربَّه وهذهِ علامةُ المحبةِ الصادقةِ والإيمانِ الكاملِ، يقولُ ذو النونِ المصريُّ: (مِنْ علاماتِ المحبِّ للهِ عزَّ وجلَّ متابعةُ حبيبِ اللهِ (أي سيدِنَا محمدٍ ﷺ) فِي أخلاقِهِ وأفعالِهِ وأوامرِهِ وسننِهِ). وإنَّ مَنْ كانَ صادقًا في حبِّهِ للهِ ورسولِهِ وكانَ اتباعُهُ للنبيِّ المصطفَى ﷺ اتباعًا كاملًا وجدَ حلاوةَ ولذةَ الإيمانِ فِي قلبِهِ وكانَ مِنْ أحبابِ اللهِ الصالحينَ وهوَ الذِي رضيَ باللهِ ربًا وبالإسلامِ دينًا وبمحمدٍ ﷺ نبيًّا، وعنْ أنسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عنِ النبيِّ ﷺ قالَ: « ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاَوَةَ الإِيَمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِواهُما وأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلاَّ للَّهِ وَأَنْ يَكْرَه أَنْ يَعُودَ في الكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ في النَّارِ»مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.  وقدْ قالَ النبيُّ ﷺ: ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ (أي لا يكونُ كاملَ الإيمانِ) حَتَّى أَكُوْنَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِيْنَ)) رواهُ البخاريُّ، فالإيمانُ باللهِ عزَّ وجلَّ وبنبيِّهِ الكريمِ ﷺ مَا جاورَ قلبَ عبدٍ إلا أفلحَ بإذنِ اللهِ.

عبادَ اللهِ: إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ خلقَ البَشَرَ وجَعَلَهُمْ فريقينِ فريقًا مؤمنًا وهوَ الفائزُ فِي الدنيَا والآخرةِ وفريقًا كافرًا وهوَ الذِي خسرَ الدنيَا والآخرةَ وذلكَ هوَ الخسرانُ المبينُ فمنِ اطمئنَّ بنورِ الإيمانِ واستقرَّ فِي قلبِهِ وشرَحَ اللهُ صدرَهُ للإيمانِ ولقَبُولِ أحكامِهِ وأخلاقِهِ التِي أمرَ بهَا فهوَ الناجي وأمَّا الفسوقُ والعصيانُ والإعراضُ عنْ ذكرِ اللهِ تعالَى وطاعتِهِ، فإنَّهُ يَجْلِبُ لصاحبِهِ الشّقاءَ والضيقَ والهمَّ فِي الدنيَا والخسرانَ يومَ القيامةِ وقدْ وعدَ اللهُ تعالَى عبادَهُ المؤمنينَ بالعلوِّ والنصرِ علَى مَنْ عادَاهُمْ ووَعَدَ اللهُ تعالَى عبادَهُ المؤمنينَ بالتمكينِ والاستخلافِ فِي الأرضِ والأمنِ بعدَ الخوفِ. نسألُ اللهَ أنْ يُثَبِّتَنَا علَى الإيمانِ إلَى المماتِ إنَّهُ علَى كلِّ شيءٍ قديرٌ، أقولُ قولِيَ هذَا وأستغفرُ اللهَ لِي ولَكُمْ.

الخطبةُ الثانيةُ

الحمدُ للهِ والصلاةُ والسلامُ علَى سيدِنَا محمدٍ رسولِ اللهِ، عبادَ اللهِ اتَّقُوا اللهَ وأطيعُوهُ والزَمُوا طاعةَ ربِّكُم واثبُتُوا علَى إيمانِكُم حتَّى تخرجُوا مِنْ هذهِ الدنيَا وتَذَكَّرُوا أنَّكُم ستُفَارِقُونَ كلَّ مَا تشتَهُونَ مِنْ هذهِ الدنيَا، يروى عنِ الْمُزَنِيِّ أنَّهُ قالَ: دَخَلْتُ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي عِلَّتِهِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا فَقُلْتُ لَهُ: أَبَا عَبْدِ اللَّهِ كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ قَالَ: أَصْبَحْتُ مِنَ الدُّنْيَا رَاحِلا وَلإِخْوَانِي مُفَارِقًا وَبِكَأْسِ الْمَنِيَّةِ شَارِبًا وَلا أَدْرِي نَفْسِي تَصِيرُ إِلَى الْجَنَّةِ فَأُهَنِّئُهَا أَمْ إِلَى النَّارِ فَأُعَزِّيهَا ثُمَّ بكى وقال:

ولما قسا قَلْبِي وَضَاقَتْ مَذَاهِبِي … جَعَلْتُ رَجَائِي نَحْوَ عَفْوِكَ سُلَّمَا

                     تَعَاظَــمَنِي ذَنْـبِي فَلَمَّــا قَرَنْتُهُ … بِعَفْوِكَ رَبِّي كَانَ عَـفْوُكَ أَعْظَمَا

                     وَمَا زِلْتَ ذَا عَفْوٍ عَنِ الذَّنْبِ سَيِّدِي … تَجُودُ وَتَعْفُو مِنَّةً وَتَكُرُّمَا

عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ أمرَكم بأمرٍ عظيمٍ أمرَكم بالصلاةِ على نبيِّهِ الكريمِ فقالَ: ﴿إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ لبيكَ اللهمّ صلِّ على محمدٍ وعلى ءال محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى ءالِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى ءال محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى ءالِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم إنا نسألك حبك وحب من أحبك وحب كل شيء يقربنا إليك، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، اللهمّ عليكَ بمنْ يكيدُونَ للإسلامِ والمسلمينَ اللهمّ خذهُمْ أخذَ عزيزٍ مقتدرٍ يا ربَّ العالمينَ اللهمَّ عليكَ بأعدائِكَ وأعداءِ نبيِّكَ ﷺ، اللهمّ وَحِّدْ صفوفَ المسلمينَ اللهمّ اجمعْ كلمةَ المسلمينَ اللهمّ فرج كرب المسلمينَ في كلِّ مكانٍ وثبتهم وانصرنا على من عادانا، اللهم فرج الكرب عن الأقصى يا ربَ العالمين، اللهمّ اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ . ربنَا آتِنَا في الدنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً وقنَا عذابَ النارِ وأدخلنَا الجنةَ معَ الأبرارِ برحمتكَ يا عزيزُ يا غفارُ.