الرياء

الرياء

الرِّياءُ من معاصي القلب التي هي من الكبائر ، وهو أَنْ يَقْصِدَ الإنسانُ بأعمال البِرِّ مَدْحَ النَّاسِ وإجلالَهم له والنظر إليه بعين التعظيم .

والرِّياءُ يُحْبِـطُ ثوابَ العَمَلِ الذي قارَنه ، فإنْ رَجَعَ عن ريائهِ وتابَ أثناءَ العَمَلِ فما فَعَلَهُ بعدَ التوبةِ منه أي من العمل فله ثوابُه . وأَيُّ عَمَلٍ من أعمال البِرِّ دَخَلَهُ الرِّياءُ قد يدخله الرياء ويكون كله رياءً وقد يدخله الرياء في جزء منه مع قَصْدِ طَلَبِ الأجرِ من الله تعالى فلا ثوابَ فيه سواءٌ أكانَ جَرَّدَ قَصْدَهُ للرِّياء أو قَرَنَ به طَلَبِ الأجرِ من الله تعالى .

آياتٌ دالة على نبذ الرياء وإخلاص العمل لله وحده

يقولُ الله تعالى في سورةِ البيِّنة (( وما أُمِرُوا إلَّا ليعبُدوا الله مُخْلِصِينَ له الدِّينَ حُنَفَاء )) .

معناه : فَرْضٌ على العبادِ أنْ يُخْلِصُوا عبادَتهم لله من الرِّياء ، فَرْضٌ عليهم أنْ يُخْلِصُوهَا لله وحدَه .

وقال تعالى في سورة الزمر  : قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (11)”.

وقال تعالى في سورة الزمر :” إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (2) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ “.

وفي سورة البقرة يقول الله تعالى (( يا أيها الذينَ ءامنوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بالمَنِّ والأَذَى كالذي يُنْفِقُ مالَه رِئاءَ النَّاس )) .

معناه : إنَّ الذي يُنْفِقُ مالَه رِئاءَ النَّاس أيْ رِياءً وطَلَبًا للسُّمْعَةِ لا أجرَ له ، وعليه ذنب كبير والعياذ بالله تعالى .

وفي وصف المنافقين يقول تعالى في سورة النساء :وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142)”.

والرياء مذموم في كتاب الله تعالى وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

بعض ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذم الرياء ونبذه

قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم :” أَوَّلُ النَّاسِ يُقْضَى لهمْ يومَ القيامة ثلاثة : رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فأُتِيَ بهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قال فما عَمِلْتَ فيها ؟؟ (والله تعالى يسأله وهو أعلم بحاله ) ، قال قاتلتُ فيكَ حتَّى اسْتُشْهِدْتُ قال كَذَبْتَ ولكنَّك قاتلتَ ليُقَالَ فلانٌ جَرِيْءٌ فقد قيلَ ثمَّ أُمِرَ بهِ فَسُحِبَ على وَجْههِ حتَّى أُلْقِيَ في النَّارِ ، ورَجُلٌ تَعَلَّمَ العِلْمَ وعَلَّمَهُ وقَرَأَ القرءانَ فأُتِيَ بهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قال فما عَمِلْتَ فيها ؟؟(كما في الموضع السابق فالله تعالى يسأله وهو أعلم بحاله) ، قال تَعَلَّمْتُ العِلْمَ وعَلَّمْتُهُ وقَرَأْتُ فيكَ القرءانَ قال كَذَبْتَ ولكنَّك تَعَلَّمْتَ العِلْمَ ليقالَ عَالِمٌ وقَرَأْتَ القُرْءانَ ليقالَ قارئٌ فقد قيلَ ثمَّ أُمِرَ به فَسُحِبَ على وَجْههِ حتَّى أُلْقِيَ في النَّارِ ، ورَجُلٌ وَسَّعَ الله عليهِ وأعطاهُ مِنْ أصنافِ المالِ كُلِّهِ فأُتِيَ به فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قال فما عَمِلْتَ فيها ؟؟(وكما في الموضع السابق من الحديث فالله تعالى يسأله وهو أعلم بحاله) ، قال ما تَرَكْتُ مِنْ سبيلٍ تُحِبُّ أنْ يُنْفَقَ فيها إلَّا أَنْفَقْتُ فيها لَكَ قال كَذَبْتَ ولكنَّك أنفقتَ مَالَكَ ليقالَ إنهُ جَوَادٌ فقد قيلَ ثمَّ أُمِرَ به فَسُحِبَ على وَجْههِ حتَّى أُلْقِيَ في النَّارِ ” ..

رواه النَّسَائِيُّ في[(السُّنَنِ)/كتاب الجهاد]، والتِّرْمِذِيُّ في[(السُّنَنِ)/كتاب الزُّهد عن رسول الله]، واللَّفظُ للنَّسَائِيِّ ..

والمعنى من الحديث الشريف أن المرائي محرومٌ من الثَّواب ، وفوقَ ذلكَ عليه عقوبةٌ وعَذَابٌ في الآخرةِ إذا لم يسامحه الله .

قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم :” إذا جَمَعَ اللهُ النَّاسَ يومَ القيامةِ ليومٍ لا رَيْبَ فيه نادَى منادٍ مَنْ كانَ أشركَ في عملٍ عَمِلَهُ لله أحَدًا فليطلبْ ثوابَه من عندِ غيرِ الله فإنَّ الله أغنى الشُّركاء عن الشِّرك ” .. رواه التِّرْمِذِيُّ في[(السُّنَنِ)/كتاب تفسير القرءان عن رسول الله]..

هذا الحديثُ وَرَدَ في (صحيح مسلم) بلفظِ حديثٍ قدسيٍّ ، ذلكَ أنَّ النبيَّ ، صلَّى الله عليه وسلَّم ، قال قال الله تعالى :” أنا أغنى الشُّركاء عن الشِّرك . مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فيه معي غيري تركتُه وشِرْكَهُ ” ..

أنظر[(صحيح مسلم)/كتاب الزُّهد والرَّقائق].

معنى الحديثين واحدٌ وهو أنَّ مَنْ يعملُ عَمَلًا من أعمال الدِّينِ من صلاةٍ أو صيامٍ أو حَجٍّ أو صَدَقَةٍ أو جهادٍ أو قراءةِ قرءانٍ أو غيرِ ذلك فإنْ كانَ يَقْصِدُ بعملهِ هذا أنْ يمدحَه النَّاسُ أو يُنْظَرَ إليهِ نظرةَ الإجلالِ والتعظيمِ فإنه ليسَ له عندَ الله ثوابٌ ولو نوَى إلى جانب ما نواه الثوابَ من الله ، إنما ثوابُه ما نواهُ من النَّاسِ ، وهو أنْ يمدحوه أو أنْ ينظروا إليه بعينِ الإجلال والتعظيم . هذا هو الرِّياء ، ويقالُ له الشِّرْكُ الأصغرُ ، وهو من أكبرِ الكبائر ، وهو المقصودُ بقول الله تعالى (( فَمَنْ كان يرجو لقاءَ رَبِّهِ فليعملْ عَمَلًا صَالِحًا ولا يُشْرِكْ بعبادةِ رَبِّهِ أَحَدًا ))[الكهف/110].. معناه ليتركِ الرِّياءَ ، أي الشِّرْكَ الأصغرَ ..

قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم :” اتَّقُوا الرِّياءَ فإنهُ الشِّرْكُ الأصغرُ ” . رواه ابنُ بَطَّال في شرحهِ على البُخَارِيِّ ..

ورِوايةُ أحمدَ في[(المسند)/مسند الأنصار]:” إنَّ أخوفَ ما أخافُ عليكم الشِّرْكُ الأصغرُ ، الرياءُ ” ..

وعن يَعْلَى بنِ شَدَّادِ بنِ أَوْسٍ عن أبيهِ قال كُنَّا نَعُدُّ على عَهْدِ رسولِ الله أنَّ الرِّياءَ الشِّرْكُ الأصغرُ .. رواهُ الحاكمُ في[(المستدرَك)/كتاب الرِّقاق]وقال :” هذا حديثٌ صحيحُ الإسناد ” .

وليس معنى قولنا إن الرياء هو الشرك الأصغر أنه مُخرِج من الدين ناقل عن الملة بل إن معنى ذلك أنه معصية من الكبائر وسُمِّيَ شركا لأن المرائيَ يُشرِك مع الله في عمله الناسَ والعياذ بالله تعالى .

 وزَعَمَ بعضُ الجُهَّالِ أَنَّ الشَّخْصَ إذا عَمِلَ حَسَنَةً مَعَ شخصٍ ثمَّ طَلَبَ منه الدُّعَاءَ فإنَّ ثوابَه يذهب . وهذا اعتقادٌ فاسدٌ باطلٌ غيرُ صحيح . . وزَعَمَ بعضُ الجُهَّالِ أَنَّ الذي يَتَصَدَّقُ على فقيرٍ يَنْقُصُ أَجْرُهُ إذا دَعَا له الفقيرُ . وهذا أيضًا اعتقادٌ فاسدٌ باطلٌ غيرُ صحيح .. فَمَنْ أَخْلَصَ نيَّتَهُ لله تعالى وحدَه في أيِّ عَمَلٍ يحبُّه الله فلهُ بهِ عندَ الله تعالى ثوابٌ ، وأمَّا مَنْ لم يُخْلِصْ نيَّتَهُ فليسَ له ثوابٌ مهما كانَ ذلكَ العملُ فيما يَرَى النَّاسُ كبيرًا وعظيمًا .

ولا يجتمعُ الثَّوَابُ والرِّياءُ لحديثِ أبي داودَ والنَّسَائِيِّ بالإسنادِ الصَّحيحِ إلى أبي أُمامَةَ قال : جاءَ رَجُلٌ إلى رسولِ الله ، صلَّى الله عليه وسلَّم ، فقال له :” يا رسولَ الله أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يلتمسُ الأجرَ والذِّكْرَ مَا لَهُ ؟” . قال عليه الصلاة والسلام :” لا شيءَ لَهُ ” . فأعادَها ثلاثًا ، كُلُّ ذلكَ يقول :” لا شيءَ لَهُ ” . ثمَّ قال له رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم :” إنَّ الله لا يَقْبَلُ مِنَ العَمَلِ إلَّا ما كانَ خالصًا له وما ابْتُغِيَ بهِ وَجْهُهُ ” .. وجَوَّدَ الحافظُ ابن حجر إسنادَه ، ومعنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أي أن الله يثيب على الأعمال التي وافقت الشرع و كان صاحب هذه الأعمال مخلصا لله تعالى نيته ولم يطلب الثناء من الناس على أعماله ، ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام “وما ابتُغيَ به وجهه” أي طُلِبَ به رضى الله تعالى والأجر منه سبحانه لا رضى الناس .

وعن جُنْدُبِ بنِ عبدِ الله بنِ سُفْيَانَ ، رضيَ الله عنه ، قال : قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم :” مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ الله بهِ ومَنْ يُرائي يُرائي الله به ” . رواه البُخَارِيُّ في صحيحه في كتاب الرِّقاق .

ومن رِوايةِ ابنِ عَبَّاسٍ ، رَضيَ الله عنهما ، بلفظ :” مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ الله بهِ ومَنْ راءى راءى اللهُ به ” . رَوَاهُ مسلمٌ في صحيحه في كتاب الزُّهد والرَّقائق .

ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام ” سَمَّعَ ” ، بتشديدِ الميم ، أي أَظْهَرَ هذا المرائي عَمَلَهُ للنَّاسِ رِياءً طلبا للثناء والمدح منهم .

سَمَّعَ الله به ” معناه فَضَحَهُ يومَ القيامة ، وهذا من جملة العذاب يوم القيامة وهو الفضيحة على رؤوس الأشهاد أي أمام الخلائق نسأل الله السلامة .

وقولُه عليه الصَّلاةُ والسَّلام ” مَنْ راءَى ” معناه مَنْ أَظْهَرَ للنَّاسِ العَمَلَ الصَّالِحَ الذي يعمله ليَعْظُمَ عندَهم ولينال مدحَهم ..

راءى اللـهُ به ” معناه أَظْهَرَ سَرِيرَتَهُ على رُؤُوسِ الخلائق .. معناه فَضَحَهُ .. وهذا من شؤم الرياء والعياذ بالله تعالى .

ومما جاء في شؤم من يعمل الطاعات طلبا لمدح الناس وثنائهم ونحو ذلك أي كان مرائيا ما رواه أبو داودَ في السُّنَنِ في كتاب العلم بإسنادٍ حَسَنٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : :” مَنْ تَعَلَّمَ علمًا مِمَّا يُبْتَغَى بهِ وَجْهُ الله ، عَزَّ وجَلَّ ، لا يَتَعَلَّمُهُ إلَّا ليصيبَ بهِ عَرَضًا من الدُّنيا لم يجد عَرْفَ الجَنَّةِ يومَ القيامة ” ، وعَرْفُ الجنة ريحها ، معناه يتَعَلَّمُ العِلْمَ للسُّمْعَةِ ولكيْ يكونَ في أعينِ النَّاسِ عظيمًا وليصرف وجوه الناس إليه فهذا هو عَرَضُ الدنيا الذي طلبه بعمله ولم يكن مخلصا لله تعالى في عمله ، وليسَ المرادُ من هذا الحديث أنه لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ بالمرَّة ، بل معناه أنه يدخلها لكنْ بعدَ عذابٍ إنْ لم يَعْفُ الله عنه .. هذا هو المرادُ .. لأن المسلمَ لا بُدَّ أنْ يدخلَ الجَنَّةَ وإنْ أصابهُ قبلَ ذلكَ ما أصابه من العذاب يوم القيامة أو في نار جهنم فيخرج منها ثم يكون مآله في النهاية أنه يُخَلَّد في الجنة ..

ويأتي الشيطان لبعض الجهَّال من الناس فيوسوس لهم أنه ابتعد عن عملِ كذا أو عملِ كذا من الطاعات لأجل أن لا تقع في الرياء فيبتعدُ هذا العبدُ عن العملِ الصَّالحِ خَوْفَ أنْ يَقَعَ في الرِّياء فهذا هو ضعيفُ الهمَّةِ ، أمَّا قَوِيُّ الهمَّة من عباد الله فهو الذي يَكْبَحُ لِجَامَ نفسهِ عن الرِّياء ويثبُت على العملِ الصَّالح .