تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم

تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم

الحمد لله خالق الأرض والسماء، والصلاة والسلام على محمد سيد الأنبياء وإمام الأصفياء، والمقدم على الخلائق في يوم الفصل والقضاء، وعلى آله وأصحابه النجباء أولي الفضل والصلحاء، من أوصلوا لنا شريعنه السمحاء، أما بعد:

فقد قال تعالى لنبيه محمد ﷺ في سورة الفتح: ((إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ))، فهو ﷺ مبشر لمن آمن به واتبع نهجه وشرعه بالجنة وهو نذير لمن عصاه بالنار والعياذ بالله تعالى، وقد أمرنا الله عز وجل في قوله تعالى: ((وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ)) بتعظيم النبي ﷺ وتعظيمه عليه الصلاة والسلام إنما هو نابع من محبتنا نحن المسلمين له ﷺ وهو من باب حفظ الجميل لهذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام ففضله علينا عظيم فهو الذي دعا إلى الإيمان ودعا إلى التوحيد وإلى حسن الخلق وهو الذي نظم علاقة المسلمين ببعضهم البعض وهو الذي علمنا كيف نعبد ربنا عز وجل وكيف يكون توحيده والإيمان به، فلولا محمد ﷺ أين كنا وما هو حالنا. فجزى الله محمدا عنا خير ما جزى نبيا عن أمته.

ومن تعظيم النبي ﷺ أن نكثر الصلاة والسلام عليه ﷺ فَعَن عامِر بن رَبِيعَة قالَ سَمِعْت النبي ﷺ يقول: ((مَنْ صَلَّى صَلَاة صَلَّت عَلَيْه الْمَلَائِكَة مَا صَلَّى عَلَيّ فليقل من ذَلِك عَبْد أَو لِيُكْثِر)) رواه ابن ماجه. وَعَن أبَيّ بن كَعْب كَان رَسُول اللَّه ﷺ إذَا ذَهَب رُبُع اللَّيْل قَام فَقَال: ((يَا أيُّهَا النَّاس اذْكُرُوا اللَّه جَاءَت الرَّاجِفَة تَتْبَعُهَا الرَّادِفَة جاء الْمَوْت بِمَا فِيه)) فَقَال أُبَيّ بن كَعْب يَا رَسُول اللَّه إنّي أُكْثِر الصَّلَاة عَلَيْك فكم أَجْعَل لَك من صَلَاتِي؟ قَال: ((مَا شِئْت)) قَال: الرّبْع؟ قَال: ((مَا شِئْتَ وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ)) قَال: الثُّلُث؟ قَال: ((مَا شِئْتَ وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ)) قَال، النّصْف؟ قَال: ((مَا شِئْتَ وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ)) قَال: الثُّلُثَيْن؟ قَال: ((مَا شِئْتَ وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ)) قَال: يَا رَسُول اللَّه فَاجْعَل صَلَاتِي كُلَّهَا لَك قَال: ((إذًا تُكْفَى وَيُغْفَر ذَنْبُكَ)). رواه الحاكم.

 ومن تعظيم المسلمين للنبي ﷺ أنهم يحرصون على آثاره ومشاهده ويتبركون بها ويعظمونها من تعظيمهم للنبي ﷺ، وفي صحيح مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ أَتَى مِنًى. فَأَتَى الْجَمْرَةَ فَرَمَاهَا. ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ بِمِنًى وَنَحَرَ. ثُمَّ قَالَ لِلْحَلاَّقِ: «خُذْ » وَأَشَارَ إِلَى جَانِبِهِ الأَيْمَنِ ثُمَّ الأَيْسَرِ ثُمَّ جَعَلَ يُعْطِيهِ النَّاسَ.

وروى البخاري أن النبي ﷺ أمر النساء اللاتي تولين غسل ابنته زينب بعد وفاتها ن يخبرنه بعد فراغهن فلما فرغن أعطاهن حقوة (أي إزاره) ليجعلنه على جسدها ثم بعد الكفن لتنالها بركته ﷺ ببركة ثوبه وفي رواية أنه ﷺ قال: أشعرنه إياها. (أي اجعلنه شعارها أي الثوب الذي يلي جسدها).

قال الحافظ ابن حجر: الحكمة في تأخير الإِزار معه إلى أن يفرغن من الغسل ولم يناولهن إياه أولًا ليكون قريب العهد من جسده الكريم حتى لا يكون بين انتقاله من جسده إلى جسدها فاصل، وهو أصل في التبرك بآثار الصالحين.اهـ

وقد جاء في البخاري أن الصحابة كانوا يقتتلون على وَضوء النبي ﷺ والذي يدرك شيئا من الماء يتمسح به ومن لا يدرك يمسح يد صاحبه ممن تبرك بماء وضوء النبي ﷺ وإذا كانوا بعيدي الموطن عن النبي ﷺ يأخذون من ماء وضوئه معهم إلى ديارهم.

وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء فما يؤتى بإناء إلا غمس يده فيها.اهـ قال النووي في شرحه لمسلم: وفيها صبره ﷺ على المشقة في نفسه لمصلحة المسلمين وإجابته من سأله حاجة أو تبريكًا بمس يده وإدخالها في الماء كما ذكروا، وفيه التبرك بآثار الصالحين وبيان ما كانت الصحابة عليه من التبرك بآثاره ﷺ وتبركهم بإدخال يده الكريمة في الآنية وتبركهم بشعره الكريم وإكرامهم إياه أن يقع شيء منه إلا في يد رجل سبق إليه.اهـ 

وأورد البخاري في صحيحه بابًا سماه باب المساجدِ التي على طُرُقِ المَدِينةِ والمَواضِعِ التي صلَّى فيها النبيُّ ﷺ: ذكر فيه أن عبد الله بن عمر بن الخطاب كان يتتبع أماكن في طريق مكة والمدينة يصلي عندها للبركة وأن النبي ﷺ كان ينزل بها. وقال ابن حجر في شرحه لهذا الباب: ومحصل ذلك أن ابن عمر كان يتبرك بتلك الأماكن، وتشدده في الاتباع مشهور، فهو حجة في التبرك بآثار الصالحين.

وإن هؤلاء الصحابة ومن جاء بعدهم إنما يعظمون رسول الله ﷺ ويذكرونه ويكثرون الصلاة عليه ويحرصون على تعظيمه لمعرفتهم أن الله هداهم بمحمد ﷺ وهذا فيه تذكير لنا بأعظم نعمة رزقنا الله إياها وهي نعمة الإيمان وأن جنبنا الكفر، والحمد لله رب العالمين، فنعمةُ الإيمانِ أفضلُ مِنْ نعمةِ الصحةِ والمالِ، وقدِ اعتادَ بعض المسلمين قولَ كلمةٍ حُلوةٍ هيَ: “الحمدُ للهِ على نعمةِ الإسلامِ وكفَى بها من نعمَةٍ”. ولذلكَ قالوا: “مَنْ أُعطيَ الدنيا ولم يعطَ الإيمانَ فكأنَّمـا ما أُعطيَ شيئًا، ومَنْ أُعطيَ الإيمانَ ولم يُعطَ الدنيا فكأنَّما ما مُنِعَ شيئًا”، وإننا نجد في هذه الأيام من يخسر هذه النعمة التي هي الإيمان بسبب جهله فيقع بالكفر والعياذ بالله تعالى، وقد ذَكَرَ العلماءُ أنَّ الكفرَ يُقسَمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ فَمِنْهُ مَا هوَ قوليٌ كَمَنْ يَسُبُّ اللهَ والعياذُ باللهِ أو يَسُبُّ دينَ الإسلامِ أو نبيًّا مِنَ الأنبياءِ أو مَلَكًا مِنَ الملائكةِ الكرامِ أو يستهزئُ بشرعِ اللهِ وبشريعتِهِ وبمعالمِ دينِهِ أو يستخفُّ بعذابِ جهنمَ فإنَّهُ أشدُّ عذابٍ خَلَقَهُ اللهُ تعالى، والقسمُ الثاني مِنْ أقسامِ الكفرِ هوَ الفعليُّ كالذي يُلْقِيْ المصحفَ في القاذوراتِ أو يسجدُ للشمسِ والقمرِ والقسمُ الثالثُ هوَ الكفرُ الاعتقاديُّ كالذي يعتقدُ خلافَ عقيدةِ المسلمينَ كالذي يعتقدُ أنَّ للهِ ولدًا أو زوجةً أو شريكًا أو يعتقدُ عقيدةَ اليهودِ أنَّ اللهَ خلقَ السماواتِ والأرضَ في ستةِ أيامٍ ثمَّ تعبَ في اليومِ السابعِ واستراحَ جالسًا على العرشِ فنزلَ فيهمْ قولُهُ تعالى: ((وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ)) فاللهُ تعالى لا يوصفُ بالتعبِ ولا بالجلوسِ ولا بالجسميةِ ولا بالحدِّ ولا بالمكانِ ولا بالزمانِ فهوَ خالقُ المكانِ والزمانِ كانَ موجودًا قبلَهُمَا بدونِهِمَا وهوَ الآنَ على ما عليهِ كانَ، ليسَ كمثلِهِ شىءٌ وهوَ السميعُ البصيرُ، مهمَا تصورتَ ببالكَ فاللهُ بخلافِ ذلكَ. وَلْيُعْلَمْ أَنَّ مَنْ وقعَ في أيِّ قسمٍ مِنَ الكفرِ فيجبُ عليهِ فورًا الرجوعُ للإسلامِ بالنطقِ بالشهادتينِ وتركِ ما صدرَ منهُ. نَسْأَلُ اللهَ تعالى أَنْ يُجَنِّبَنَا الكفرَ وما يُقَرِّبُ إليه مِن قولٍ أو عملٍ أو اعتقادٍ.

والعلاج لكل هذا الفساد والبعد عنه إنما يكون بتعلم علم الدين الضروري وتطبيقه فإن العلم نور مبين والجهل بئس القرين، إنَّ للعِلمِ منزلةً رفيعةً ويكفي على ذلك دليلاً  أنَّ مَن لا يـُحسِنُهُ يدَّعِيه ويَفرَحُ به إذا نُسِبَ إليهِ، ويكفي دليلا على ذمِّ الجهلِ أنَّهُ يتبَرَّأَ منهُ مَن هو فيه، وقد جاء عن نبينا الأكرم ﷺ الحثُّ البليغُ على طلب علم الدين فقال لأبي ذرّ فيما رواه ابن ماجه ” يا أبا ذرّ لأن تغدُوَ فتتَعلَّم بابًا مِن العلم خيرٌ لك مِن أنْ تُصلّي ألفَ ركعة ” اهـ. أي من النوافل. وورد عنه ﷺ فيما رواه البيهقي في شُعبِ الإيمان: ” ما عُبِدَ اللهُ بشىءٍ أفضلَ مِن فِقهٍ في الدين ” اهـ. وقال ﷺ ” من يُرِدِ الله به خيرًا يفقّههُ في الدين ” اهـ. رواه البخاري، وقد أخبرنا رسول الله ﷺ أنَّ علامةَ فلاحِ المرءِ وإرادةِ اللهِ الخيرَ لعبده أن يفقّهَهُ في الدين فهل مِن مُشَمّرٍ للخير، فهِمَ هذا عُلماء الأمّة فشمَّروا وطلبوا العلم حتى بلَغوا ما بلَغوا ولذلك قال الإمام الشافعيُّ رضِيَ اللهُ عنه: إنَّ الاشتِغالَ بطَلَبِ العِلمِ أفضلُ ما تُنفَقُ فيه نفائس الأوقات اهـ. وذلك لأنَّ في طلب العلم حفظَ النفسِ وحِفظَ الغير. الاشتِغالُ بطلبِ أفضَلُ ما تُنفَقُ فيه الأوقات..أفضَلُ مِن نوافِلِ العباداتِ البدنية لأنَّ نفعَ العلمِ يَعُمُّ صاحِبَهُ والناسَ وأما النوافِلُ البدنّيةُ فمقصورةٌ على صاحِبِها، ولأنَّ العِلمَ مُصَحّحٌ لغيرِه مِن العِباداتِ فهي تفتقرُ إليه وتتوقَّفُ عليه ولا يتوقَّفُ العِلمُ عليها فإنَّ العابدَ الجاهِلَ قد يقومُ بعبادَةٍ فاسِدَةٍ تكونُ وبالاً عليه، ولأن العلـماء ورثة الأنبياء عليهم الصلاة وأتم التسليم، وليس ذلك للمتعبدين غير العلماء، ولأنَّ العِلمَ يبقى أثرُهُ بعدَ موتِ صاحبِهِ، ولأنَّ في بقاء العِلمِ إحياءً للشريعة وحفظًا لمعالِـمِ المِلَّةِ، فعلمُ الدينِ حياةُ الإسلام ولذا جاء في الحديث ” ولَفَقِيهٌ واحدٌ أشدُّ على الشيطانِ مِن ألفِ عابِدٍ ” اهـ رواه البيهقي في شعب الإيمان. فإنّ الشيطان قادِرٌ على أن يُزَيّنَ للعابد الجاهِل عملاً باطلاً فيُوقِعَهُ فيه ويُضِلَّهُ وغيرَه به وأما العالم الذي هو حقّ العالم فيغلِبُ الشيطان بعلمِهِ فيحفظُ إسلامَه وإسلامَ غيرِه من الناس.

وإنَّ عَلمَ الدّين حياةُ الإسلام لذلكَ أمَرَ اللهُ بطلَب الازديادِ مِن العِلم ولم يأمر نبيّه في القرءان بطلَب الازديادِ مِن شَىء إلا مِن العِلم فقال عزّ مِن قائلٍ * وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا * ( سورة طه 114 )  فاقتدوا بنبيّكم ﷺ واطلبوا علم الدين وشُدُّوا الهِمَّةَ لتحصيله والتَّقْوَى فيه ففي ذلك الفضلُ والدرجةُ الرفيعةُ في الآخرة وحفظُ أنفسِكم وأهليكم وبلادكم وإسلامكم، وفقني اللهُ وإياكم لما يُحبُّ ويرضىَ.

نسأل الله أن يزيدنا علما وأن يفقهنا في ديننا وأن يرزقنا رؤية نبينا ﷺ وأن يجمعنا به في جنات النعيم.