عاشوراء في الإسلام

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

يقول الله تعالى في محكم كتابه: ((ولَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)).

 وقد أخرج مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أَفْضَلُ الصَّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلاَةُ اللَّيْلِ“.

وفي صحيح البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلا هَذَا الْيَوْمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَهَذَا الشَّهْرَ يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ. اهـ

 هذا الحديث صريح في أن أفضلَ ما تُطوعَ به من الصيام بعد رمضان صومُ شهر الله المحرم. سيما عاشوراء، وهو يوم العاشر منه، وهو له فضيلة عظيمة وحرمة قديمة، وصومه لفضله كان معروفا بين الأنبياء عليهم السلام وقد صامه نوح وموسى عليهما السلام.

ففي صحيح مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ؟” فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ، أَنْجَىَ اللهُ فِيهِ مُوسَىَ وَقَوْمَهُ، وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، فَصَامَهُ مُوسَىَ شُكْرًا، فَنَحْنُ نَصُومُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَىَ بِمُوسَىَ مِنْكُمْ“. فَصَامَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ. اهـ

ولفظ البخاري في صحيحه: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَقَالَ: مَا هَذَا، قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ فَصَامَهُ مُوسَى، قَالَ: فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ، فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ.اهـ

ففي مسند الإمام أحمد: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُنَاسٍ مِنَ الْيَهُودِ قَدْ صَامُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: ” مَا هَذَا مِنَ الصَّوْمِ؟ ” قَالُوا: هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي نَجَّى اللهُ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْغَرَقِ، وَغَرَّقَ فِيهِ فِرْعَوْنَ، وَهَذَا يَوْمُ اسْتَوَتْ فِيهِ السَّفِينَةُ عَلَى الْجُودِيِّ، فَصَامَ نُوحٌ وَمُوسَى شُكْرًا لِلَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” أَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى، وَأَحَقُّ بِصَوْمِ هَذَا الْيَوْمِ”، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالصَّوْمِ. اهـ

 وفي صحيح البخاري: هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ وَلَمْ يَكْتُب اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ وَأَنَا صَائِمٌ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ. اهـ

وفي صحيح مسلم: “هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَلَمْ يَكْتُبِ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، وَأَنَا صَائِمٌ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَصُومَ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُفْطِرَ فَلْيُفْطِرْ “. 

 وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه قَالَ: وَسُئِلَ – أي رسول الله – عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ؟ فَقَالَ: “يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيةَ“. وفي لفظ: وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَىَ اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ. اهـ

 ويسن أيضا صيام تاسوعاء، وهو تاسع المحرم لقوله صلى الله عليه وسلم: “لَئِنْ بَقِيتُ إِلَىَ قَابِلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ ” رواه مسلم. ولكن مات رسول الله قبله.

 بل نصّ الإمام الشافعيُ رضي الله عنه في كتابه الأم وكتابه الإملاء على صوم التاسوعاء والعاشوراء والحادي عشر.

  قاله الشافعي، وأصحابه، وأحمد، وإسحاق، وآخرون: يستحب صوم التاسع والعاشر جميعًا لأن النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صام العاشر ونوى صيام التاسع.

قال بعض العلماء: ولعل السبب في صوم التاسع مع العاشر أن لا يتشبه باليهود في إفراد العاشر. وقال بعضهم: وحكمة صوم يوم تاسوعاء مع عاشوراء الاحتياط له لاحتمال الغلط في أول الشهر ولمخالفة اليهود فإنهم يصومون العاشر، والاحترازُ من إفراده بالصوم كما في يوم الجمعة، فإن لم يصم معه تاسوعاء سُنّ أن يصومَ معه الحادي عشر بل نصّ الشافعيُ في ( الأم والإملاء ) على صوم الثلاثة.

ويستفـــاد من صوم النبي ليوم عاشوراء جوازُ فعلِ الشُّكرِ لله على مَا مَنّ به في يومٍ مُعيّنٍ من إسداءِ نِعمَةٍ أو دَفْعِ نِقمَةٍ، ويُعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة.

ويُستفاد منه أيضا ضرورة مخالفة اليهود وعدم التشبه بهم ولذلك قال الرسول: ” لَئِنْ بَقِيتُ إِلَىَ قَابِلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ“. فالرسول يعلمنا أن نخالف الكفار وأن لا نتشبه بهم.

  وأما صيام الرسول لهذا اليوم مع أن اليهود كانوا يصومونه فقد فسّرَهُ الرسول بقوله: ” نحن أَوْلى بموسى منكم” فصامه شكرًا لله على نعمة نجاة سيدنا موسى عليه السلام.

 وروى الإمام أحمد والنسائي وابن حبان من حديث أم سلمة ” أن النبي كان يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثرَ ما يصومُ من الأيام ويقول: ” إنهما يوما عيد للمشركين فأنا أحب أن أخالفهم “. 

إن العاشرَ من المحرّم، أي يومَ عاشوراء، مَليءٌ بالخيرات والفضائل والحوادث والعبر والصبر والدروس، وهو مشهورٌ عند الأواخر والأوائل.

هو يوم خَصَّصَه اللهُ تعالى بأَن قَبِلَ فيهِ تَوبَةَ سيِّدنا ءادَمَ عليهِ السَّلام بَعدَ أن ارتَكَبَ ذلك الذنب الذي هُوَ لَيسَ مِنَ الكَبَائِرِ ولَيسَ كُفرًا ولا هُوَ صَغيرةٌ تَدلُ عَلىَ خِسَّةٍ ودَنَاءةٍ. إنما كانت معصيةً منَ الصغائرِ التي ليس فيها ذنبٌ عظيم. حيثُ إنَ سيدنا ءادمَ عليه السلام كان أكل من شجرة من أشجار الجنة والله تعالى كان قد نهاهُ عنها. قال الله تعالى (وَعَصَىَ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيهِ وَهَدَى) / طه 121-122. وكانت تلك التوبة في يوم العاشِرِ من شهر محرم أي في عاشوراء. وكذلكَ في هذا اليوم العظيم عاشوراء رست سفينة سيدنا نوح عليه السلام فاستوت واستقرت على جبلِ “الجودي” قرب مدينة الموصل في العراق بعد أن مكثت حوالي مائة وخمسين يومًا على الماء، وكان فيها نبي الله نوح عليه السلام ومن معه من المؤمنين والبهائم التي أمر الله سيدنا نوحًا أن يجعلها على سفينته.

وفي يوم عاشوراء، نجى الله سبحانه وتعالى سيدنا موسى عليه السلام والذين معه واتبعوه من بني إسرائيل، حيث كانوا يرزحون تحت حكم فرعون وكان فرعون جبارًا طاغيًا إدعى الألوهية وقال لأهل مصر”أنا ربكم الأعلى”. فأرسل اللهُ النبيَّ موسى وأخاهُ هارون عليهما السلام إلى فرعون، فلما قَابلاهُ دَعياهُ إلى دينِ الإسلام وأمراه بعبادة الله تعالى وحده. وقد أظهر الله تعالى معجزات عديدة على يد نبيه موسى عليه السلام ، ولكن فرعون عاند ولم يؤمن وأظهر جبروته. فأمر الله تعالى سيدنا موسى أن يخرج بمن ءامن معه واتَّبعه من بني إسرائيل من مصر، فسار بهم وعددهم ذلك اليوم ستمائة ألف. ولحق بهم فرعون الطاغية ومعه مليون وستمائة ألف من الجنود مُجهزين بخيلهِم وسلاحهِم ليُبيدَهُم. وكان هذا الِلحَاق عند شروق الشمس فلما تراءى الجمعانِ وعَايَنَ كل من الفريقين الآخر وتحقَقَهُ، ورأى قومُ موسى عليهِ السلام فرعون وجنوده وجيوشه وعدته دخلهم الفزع والخوف والهلع، وقالوا لنبيهم موسى عليه السلام: إنَّا لَمُدرَكون. ولكن موسى تكلم معهم بكلامٍ يُهدئُ بالهم ويزيل الإضطراب من نفوسهم. ولما وصلوا إلى البحر وكان يتلاطم بأمواجه الهائلة أوحى اللهُ عَزَّ وّجَلّ إلى موسى عليه السلام أن يضرب البحر بعصاه، فلما ضربه انفلق بإذن الله اثني عشر فِرقًا بين كلِ فرقين طريقٌ يبسٌ. وهكذا إجتاز موسى عليه السلام ومن كان معهُ منَ المؤمنين البحرَ. ثم جاء فرعونُ بعددهِ وعدَّتِهِ ووجد البحرَ صار فيه شقوق، فقال مغرورًا بقوته وجبروته: لنلحقهم وندركهم. فلما دخل البحر أمَرَ اللهُ عزّ وجلّ البحرَ أن يلتطم عليهم، فالتطم عليهم فهلك هو وجنوده غرقًا في البحر. فقال بعض أتباعه إنه اختفى ولم يمت. فأظهرَ اللهُ تعالى جسدهُ فوُجِد ميتًا منتفخًا.

وفي العاشرِ من شهرِ مُحرمٍ من السنةِ الرابعةِ للهجرةِ حصلت غزوة ذات الرقاع، حيث خرج القائد الأعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من المدينة المنورة ومعه من أصحابه سبعمائة مقاتل، يُريدُ قبائل من نجد وهم بنو محارب وبنو ثعلبة من غطفان، وكانوا قد غدروا بأصحاب النبي صلى اللهُ عليه وسلم وقتلوا سبعين من الدعاة الذين أرسلهم النبي صلى اللهُ عليهِ وسلم للدعوة إلى دين الإسلام وتعليم الناس الخير.

وبعد أن تهيأ المشركون لقتال النبي صلى اللهُ عليه وسلم وأصحابه لما علموا بخروجه، وتقارب الفريقان قذف اللهُ الرُعبَ في قلوبِ قبائلِ المشركين، وكانوا جموعًا كثيرة، فتفرقوا بعيدًا عن المسلمين وهربوا تاركينَ وراءهم نساءهم، فلم تقع حرب وقتال وكفى اللهُ عزّ وجلَّ نبيَّه ومن معه من الصحابة شرَّ هذه الجموع الكافرة، وقد سميت هذه الغزوةُ بذات الرقاع لأن الصحابةَ رضوان الله عليهم لفّوا على أرجلهم الخِرَق بسبب ما أصاب أقدامهم في هذه الغزوة من جراحٍ تساقطت فيها أظافرهم لما اصطدمت بالحجارة والصخور. في هذا عبرة كيف كان الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يواجهون الصعاب والمشقات بصبر وثبات لنصرة الدين القويم.

وأما يونس عليه السلام أرسله الله إلى أهل نينوى كانوا في أرض الموصل بالعراق ليدعوهم إلى الإسلام وكان عددهم أكثر من مائة ألف، بقي ثلاثا وثلاثين سنة، يدعوهم إلى الإسلام ولم يؤمن به غير رجلين. فتركهم وخرج قبل أن يأمره الله، وقال تعالى: ﴿ وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لا إِلَهَ إِلا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ ومعنى ﴿ مُغَاضِبًا ﴾ لقومه لا لربه، فظن أننا لن نضيق عليه لتركه لقومه. فركب يونس السفينة ثم هاج بهم البحر واضطرب بشدة فقال من في السفينة: إن فينا صاحب ذنب، فأسهموا واقترعوا فيما بينهم على أن من يقع عليه السهم يلقونه في البحر، ثلاث مرات وتقع القرعة على يونس. فأراد يونس أن يُلقي نفسه في البحر، وهو يعرف أنه لا يتضرر، ولا يريد الانتحار، فالتقطه الحوت، ومكث ثلاثة أيام في بطن الحوت، فهناك في ظلمة الليـــل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت سمع تسبيح الدواب ﴿ فنادى أن لا اله إلا أنت سبحانك اني كنتُ من الظالمين﴾.  فأمر الله الحوت أن يلقيه في البر، فألقاه بالعراء وهو المكان القفر ليس فيه أشجار وهو مريض ولم يخدش الحوت له لحمًا ولم يكسر له عظمًا، وأنبت الله له شجرة اليقطين الذي لا يقربه ذباب وورقه في غاية النعومة وورقه كبير ليظلله. أما قومه لما أدركوا أنهم سيعذبون، أرادوا التوبة فبحثوا عن يونس فلم يجدوه فألهمهم الله التوبة وءامنوا بالله وبرسوله يونس، كانوا خرجوا من القرية ولبسوا المسوح وهي ثياب من الشعر الغليظ وحثوا على رءوسهم الرماد .

وأعطى الله الملك لسليمان عليه السلام، الله أعطاه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، كان غنيا جدا. سيدنا سليمان عليه السلام كان يطعم كل يوم مائة ألف نفس، وحين يقلون يطعم ستين ألفا، كان يذبح كل يوم مائة ألف شاة وثلاثين ألف بقرة ويطعمها الناس ويطعمهم خبز القمح الصافي، أما هو لنفسه كان يأكل خبز الشعير يبله في اللبن الحامض ويأكله مع أنه أعطاه الله ملكا ما أعطاه لغيره.

ونجا أيوب من الضُّر. نبي الله أيوب عليه السلام ابتلاه الله في جسده وفي ماله وفي أولاده، تلف ماله، ومات أولاده، ومرض ثمانية عشر عامًا، ولكن ليس مرضا منفرا كخروج الدود، فصبر ولم يزدد إلا رضىً عن الله فزاده الله درجات، ذاتَ يوم أخرجته زوجته لقضاء الحاجة، ثم رجعت، فأبطأ عليه، أوحى الله إليه أن ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ فركل الأرض برجله فنبع له ماءٌ، فاغتسلَ منه وشربَ، فعاد كما كان، ثم أقبل يمشي فلقِيَته امرأته فلم تعرفه قالت: هل رأيت نبي الله أيوب وقدكان أشبه الناس بك حين كان صحيحًا، فقال: أنا هو. ثم بعث الله سحابتين، فأفرغت الأولى على بيدره من القمح الذهبَ حتى فاض، وأفرغت الأخرى على بيدر الشعير الفضة حتى فاض، وأعطاه الله تعالى بدل ما فقد من الأولاد أكثر مما كان له.

 وفي يومِ عاشوراءَ أنقذَ اللهُ تعالى سيدَنا إبراهيمَ عليه السلام من النُّمرود.

وفي يومِ عاشوراءَ ردَّ اللهُ سيدَنا يوسفَ على سيدِنا يعقوبَ عليهما السلام.

وفيه كُشِفَ ضُرُّ سيدِنا أيوبَ عليه السلام.

وفيه حصلت غزوةُ ذاتِ الرِّقاع.

وفي يوم عاشوراءَ في يوم الجمُعةِ في سنةِ إحدى وسِتين من الهجرةِ، كانتِ الفاجعةُ التي ألـمّتْ بالمسلمين بمقتلِ سِبْطِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، بمقتلِ أبي عبدِ الله الحسينِ بنِ عليٍ حفيدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ابنِ بِـنْتِهِ فاطمةَ رضي الله عنهما، على أيدي فئةٍ ظالمةٍ فماتَ الحُسينُ شهيدا، وهو ابنُ سِتٍّ وخمسينَ سنةً وهو الذي قال فيه جدُّه صلى الله عليه وسلم وفي أخيه:”الحسنُ والحسينُ سيِّدا شبابِ أهلِ الجنّة” رواه الترمذيُّ وأحمدُ والطبرانيّ. وقال:” حسين منِّي وأنا من حسين” أي محبتي له كاملة ومحبتُه لي كاملة.

 وليعلم أنّ ما حصل لسيدنا الحسين رضي الله عنه هو سنة الله في الدعاة إلى دينه، فهذا سيدنا نوح عليه السلام يدعو قومه إلى ما فيه خيرهم وصلاح دنياهم وءاخرتهم، يدعوهم إلى عبادة الله الواحد، وترْكِ الإشراك به تسعمائة وخمسين سنة، فيُضرب بالحجارة ويُشدخُ رأسُه بالصخر حتى يحمل مغشيا عليه ولا يؤمنُ به إلا نحو ثمانين شخصا، وسيدنا إبراهيم عليه السلام يرمى في النيران، والنار تكون بردا وسلاما عليه، ويحيى عليه السلام يُقطع رأسه، وزكريا عليه السلام يُنشر بالمنشار، وموسى يَكيد له الطاغيةُ فرعون وينكِّلُ بمن ءامن به، وسيدنا عيسى عليه السلام يريدون صلبه على الألواح، قال تعالى: [وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ] {النساء:157}، وها هو خير الخلق محمد صلى الله عليه وسلم يُبعث في قوم يعبدون الأصنام والأوثان وتلهو بهم الشياطين، فيدُلّـهم على ما فيه فلاحهم وخلاصهم من غياهب الجهل ويقول لهم ” قولوا لا إله إلا الله تفلحوا” فيُرمى بالحجارة حتى يسيلَ الدم من قدميه الطاهرتين، ويقول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم “اللهم إن لم يكن بك سخط عليَّ فلا أبالي “، ويُقتل ءالُ ياسر رضي الله عنهم لإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبلال يُضرب وسط الصحراء ويُوضَعُ الصخرُ على صدره وهو يقول: ” أَحدٌ أحدٌ” فيقول له المشركون ” ألا تعرف غيرَ هذه الكلمة ” فيجيبهم بقلب ثابت: ” لو كنتُ أعرفُ كلمةً تغيظكم أكثر منها كنتُ قلتها ” وذلك لما فيها من توحيد الله وتنزيهه عن الشريك والشبيه والمثيل والند والنظير، ويخرج المؤمنون من ديارهم، وتُدَك بيوتهم وتُسلَب أموالهم، وفي غزوة أحد، يُقتل عمُّ رسول الله سيدُ الشهداء حمزة بن عبد المطلب صياد الأسود ويُقتلَعُ كبدُه من جسده.

وهذا الفاروق عمر بن الخطاب يُقتل وهو قائم يصلي في المحراب صلاة الفجر ويقرأ القرءان، وهذا عثمان ذو النورين يُقتل وهو محصور في داره، وهذا عليّ المرتضى يُقتل وهو خارج إلى صلاة الفجر.

عبادَ اللهِ، قدِ استحبَّ العلماءُ التوسعةَ في يومِ عاشوراءَ على العيالِ والمرادُ بالعيالِ مَنْ تعولُهُم أَخْذًا بحديثِ المصطفى ﷺ الذي رواهٌ الطبرانيُّ : ((مَنْ وَسَّعَ عَلَى عِيَالِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ لَمْ يَزَلْ فِي سَعَةٍ سَائِرَ سَنَتِهِ))، قالَ بعضُ السلفِ: “جربْنَاهُ منذُ عشرينَ سنةً فمَا رأينا إلا خيرًا”، واحرصْ أنْ تعاملَ أهلَكَ بالحسنى فيهِ وفي كلِّ أيامِكَ، وَحُثَّهُمْ على صيامِ هذا اليومِ، لينالوا خيرَهُ وينالوا مغفرةَ اللهِ فيهِ، ومِنَ التوسعةِ فيهِ أنْ توسعَ عليهِمْ في الملبسِ والمأكلِ والمالِ.

نسألُ اللهَ تعالَى أنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الْمُعْتَبِرِيْنَ وَمِنَ الذِيْنَ يَسْمَعُوْنَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُوْنَ أَحْسَنَهُ.